مشكلة الكذب من أكبر المشكلات التي يقع فيها الأطفال، ویزداد خوفنا حين ينتشر الكذب بين الكبار، لأن ذلك يشبه الوباء حين ينتشر بين الأطباء، حين تصبح طموحات الناس أكثر دنيوية، وحين تسوء الظروف الاقتصادية، فيصبح الحصول على لقمة العيش عسيرا، فإن لنا أن نتوقع اتساع رقعة الكذب وتكاثر المبتلين به، وهذا ما نشاهده اليوم، ومن هنا نعتقد أن تحجيم مساحة الكذب في المجتمع سيظل مرتبطاً بما يمكن أن نحدثه من تقدم حضاري حقيقي وشامل .
لماذا يكذب الطفل؟
علينا في البداية أن نؤكد على أن الكذب ليس صفة فطرية أو وراثية لدى الطفل، أي إنها صفة مكتسبة تتكون لدى الطفل عن طريق التعليم والتقليد وتراكم الخبرة، وهذا يعني أن فشو الكذب بين أفراد أسرة من الأسر أو مجتمع من المجتمعات، يشير إلى نوع من الإدانة للكبار والناضجين في تلك الأسرة وذلك المجتمع، لكن مع هذا يمكن أن نقول: إن الطفل يمكن أن يكون أكثر استعدادا لممارسة الكذب في حالتين أساسيتين:
1– القدرة اللغوية: فطلاقة اللسان والمهارة في صياغة الجمل تدفع بالطفل إلى أن ينطق بالمزيد من الكلمات من غير التأكد من مدى مطابقة ما يقوله للواقع.
2- خصوبة الخيال ونشاطه، وهذا واضح جدا لدى الأطفال، هذا طفل يقول: إنه رأى قطة لها قرون، وقد كان هذا بعد أن رأى خروف العيد، حيث تمكن خياله من انتزاع قرون الخروف وتركيبها على رأس القطة.
بعد هذا يمكن أن نذكر عددا من الأسباب التي تدفع الطفل إلى الكذب، ولعل من أهمها:
1- الخوف من العقاب والخوف من المنع من الوصول إلى بعض الأشياء من أكثر ما يدفع الطفل إلى الكذب.
2- أشارت معظم الدراسات المتعلقة بسلوك الأطفال إلى أنه كلما ازدادت قسوة الآباء والأمهات، ولجؤوا إلى الضرب والعقاب لحمل الطفل على قول الصدق والإقرار ببعض الأخطاء، لجأ الأطفال إلى الكذب.
3- قد يكذب الطفل حتى يُحدث لذة ونشوة عند مستمعيه، وحتى ينتزع إعجابهم، وذلك كأن يفاخر بثياب نفيسة ليست عنده، أو يدعي أن لديه قدرات خارقة في ممارسة بعض الألعاب.
4-الكذب بقصد الحصول على بعض الأشياء، ومن الصور الشائعة لهذا أن يدعي الطفل أن معلمه في المدرسة طلب منه شراء بعض الأدوات والحقيقة أنه يريد المال لشراء بعض الحلوى أو بعض الألعاب.
5- قد يكذب الطفل لدافع عدواني وكيدي، كما لو كسرت تحفة نفيسة في المنزل، ولم تستطع الأم معرفة الفاعل، فقال لها الطفل الذي كسرها هو فلان مع أنه في الحقيقة لا يعرف من فعل ذلك، ولكن حبه لإيقاع العقوبة به دفعه إلى الكذب.
6- كذب التقليد، فالكذب كما أشرنا صفة مكتسبة، والطفل الكذاب كثيرا ما يقلد أبويه أو إخوته الكبار أو بعض زملائه وأصدقائه.
كيف نعالج الكذب عند الأطفال؟
1-الكذب عند ابن أربع أو خمس سنوات، لا يشكل شيئا مقلقا، وذلك لأن الطفل في هذه المرحلة لا يستطيع التمييز بين الخيال والواقع، ولا يدرك ضرورة مطابقة ما يقوله لواقع الحال.
2-حاول ألا تحشر الطفل في زاوية ضيقة، وتطلب منه الاعتراف بجرم ارتكبه أو خطأ وقع فيه، واعمل على توفير أدلة يجد معها صعوبة في الشهادة ضد نفسه .
3-يكذب الطفل في بعض الأحيان حتى يثبت لنفسه فضائل ليست له، وذلك حتى يعوّض عن شعوره بالنقص.
4- لن يلتزم الأطفال بالصدق في أسرة يكذب فيها الأب على الأم والأخ الكبير على الأخ الصغير، ولهذا فإن الالتزام بقول الحقيقة والدفاع عنها يجعل الكذب يبدو شيئا شنيعا في نظر الأطفال، وهذا أكبر تحد يواجهنا في هذه المسألة.
5- كثيرا ما تنطوي المبالغة على الكذب، وقد قال أحد الشباب: كنت أسمع والدتي وهي تتحدث مع صديقاتها عن وظيفة أبي، وأنه يشغل مركزا حساسا جدا، وأن مركزه ذاك يضطره إلى أن يسافر كثيرا، وكنت أقول لزملائي في المدرسة نفس الكلام الذي تقوله أمي، وكانوا يغبطونني على ذلك، وحين صرت في المرحلة الثانوية حَصَلَتْ لي صدمة كبيرة حين اكتشفت أن أبي لم يكن أكثر من مرافق لأحد رجال الأعمال المكثرين من السفر .
6- يجب أن يشعر الطفل أن الصدق قيمة من القيم الإسلامية العليا، فالصدق يهدي إلى البر، والبر: اسم جامع لكل أنواع الخير، كما أن علينا أن نظهر له مقتا للكذب، وخوفنا من عواقبه.
7- من المهم ألا نعطي الطفل انطباعا بأن الكذب ينجيه من العقوبة، بل علينا أن نقرر له بوضوح أن الصدق يخفف من عقوبة الخطأ الذي ارتكبه، وأن إخفاء الخطأ الذي وقع فيه، يستوجب عقوبتين: عقوبة الخطأ وعقوبة الكذب في التنصل منه.
وفي الحقيقة قد لا نستطيع معالجة الكذب لدى الطفل إلا إذا عرفنا السبب الحقيقي الذي يدفعه إليه، فإذا كان السبب هو الخوف من العقوبة خفضنا العقوبة، وأعطينا الطفل قدرا جيدا من الشعور بالأمان، وإذا كان الدافع إلى الكذب هو التقليل من شأن الآخرين ذكرناه بأهمية الإنصاف والتشجيع والاحترام المتبادل، وإذا تبين لنا أن الطفل يكذب أنفسنا، لأنه يقلد أحد أفراد أسرته الكبار وقفنا وقفة صادقة مع وعملنا على تحمل مسؤولياتنا في استقامة ألسنتنا، وإذا كان سبب اندفاع الصغير للكذب يكمن في شعوره بالنقص أو الحرمان، عملنا على تعزيز قيمة الثقة بالنفس والاعتراف بالواقع، وعملنا على دلالة الطفل على نقاط القوة والتفوق لديه ولدى أسرته وهكذا .








اضافةتعليق
التعليقات