يُعرَّف التركيز بأنه قدرة الإنسان على توجيه انتباهه نحو فكرة أو معلومة أو مهمة محددة، مع تجاهل المحفزات الأخرى التي قد تشتت انتباهه. وبعبارة أبسط، هو وعي موجَّه؛ أي أن يوجّه الإنسان ذهنه إلى العمل الذي يقوم به، دون أن يسمح لما حوله بأن يسحبه بعيدًا عنه.
ولعلّ صورة الشخص النائم وسط ضجيج حفلة مزدحمة توضّح المعنى؛ فمع كثرة الأصوات والحركة من حوله، يظل منفصلًا عنها. وهكذا حال الإنسان الذي يتقن التركيز: قد يكون محاطًا بعوامل كثيرة مشتتة، لكنه قادر على ضبط انتباهه وعدم السماح للمحيط بالتحكم فيه.
ومن هنا يمكن القول: إذا تحكّم بك المحيط فأنت مشتت، أما إذا استطعت التحكم في انتباهك رغم ما حولك، فأنت في حالة تركيز.
وقد نُقل عن بعض العلماء أنهم واصلوا الكتابة والتأليف في ظروف بالغة الصعوبة، حتى في أجواء الحرب وأصوات القصف، لأن قدرتهم على التركيز كانت أكبر من تأثير المشتتات الخارجية.
نوعان من التركيز
يمكن تقسيم التركيز إلى نوعين أساسيين:
الأول هو التركيز المحدد، مثل التركيز أثناء القراءة للامتحان، أو كتابة بحث، أو إنجاز مهمة معينة. وهو تركيز قصير أو متوسط المدى، يرتبط بعمل واضح ومحدد.
أما النوع الثاني فهو التركيز على الأهداف البعيدة؛ كأن يسعى الإنسان إلى أن يصبح مثقفًا، أو باحثًا، أو متخصصًا في مجال معين. وهذا النوع من التركيز يعتمد في نجاحه على النوع الأول؛ فمن يريد أن يصبح مثقفًا، مثلًا، يحتاج إلى قراءة منتظمة ومركزة، ومن يهمل الأعمال الصغيرة اليومية لن يتمكن من بلوغ أهدافه الكبيرة.
لماذا يعد التركيز مفتاحًا للنجاح؟
للنجاح ركائز عدة، من أهمها: الصبر، والتركيز، والاستمرار. وإذا غاب التركيز، أصبح الجهد موزعًا على اتجاهات كثيرة دون نتيجة واضحة.
فالتركيز بالنسبة إلى الإنجاز يشبه الوقود بالنسبة إلى الطائرة؛ إذ يمنح الإنسان الطاقة اللازمة للاستمرار في الاتجاه الصحيح. ولذلك يمكن القول: كلما ازداد تركيز الإنسان على أهدافه، اقترب أكثر من تحقيقها.
ولا تقتصر آثار التركيز على جانب واحد من الحياة. فالطالب الذي يتعلم التركيز يستفيد منه في دراسته، والموظف يستخدمه في عمله، والقارئ ينتفع به في تحصيله المعرفي، وحتى العلاقات الاجتماعية تحتاج إلى حضور ذهني وانتباه.
أما الشخص المشتت، فيجد صعوبة في التمييز بين المهم والأهم، ويبدأ في أشياء كثيرة دون أن يكملها، وقد يبذل جهودًا كبيرة لا تترك أثرًا؛ لأن طاقته موزعة في اتجاهات متباعدة.
لماذا أصبحنا أكثر تشتتًا؟
منح الله الإنسان وسائل أساسية للمعرفة والإدراك، وهي السمع والبصر والفؤاد، كما قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾
النحل: 78.
لكن الحياة الرقمية الحديثة أصبحت تزاحم هذه الوسائل باستمرار. فالإشعارات، ومقاطع الفيديو القصيرة، و«الترندات»، والتصفح المتواصل لمواقع التواصل الاجتماعي، كلها جعلت الذهن معرضًا لسيل متتابع من المحفزات.
وفي السنوات الأخيرة شاع مصطلح تعفّن الدماغ (Brain Rot) لوصف حالة الاستهلاك المفرط للمحتوى السطحي والمتكرر عبر الإنترنت، وما قد يصاحبه من شعور بالتشتت وضعف الانتباه.
ولا يعني ذلك أن مواقع التواصل تُحدث حرفيًا «تدميرًا لخلايا الدماغ»، وإنما المشكلة تكمن في أن الاستخدام المفرط للمحتوى السريع قد يدفع الإنسان إلى الاعتياد على التنقل المتواصل بين المحفزات، فيصبح التركيز الطويل أكثر صعوبة.
صعوبة التركيز وحب السرعة
أحد أبرز آثار الحياة الرقمية الحديثة أن الإنسان أصبح يجد صعوبة في البقاء مع مهمة واحدة مدة طويلة.
فقد يجلس الطالب أمام كتابه، لكن ذهنه يظل متعلقًا بمقطع شاهده قبل دقائق، أو ينتظر إشعارًا جديدًا على هاتفه. وهنا يكون الجسد أمام الكتاب، بينما العقل في مكان آخر.
وتتصل بذلك مشكلة أخرى هي حب العجلة. فمقاطع الفيديو القصيرة تقدم للإنسان محتوى متجددًا خلال ثوانٍ، بينما معظم الإنجازات الحقيقية تحتاج إلى وقت وصبر وتدرج.
فالتعلم يحتاج إلى شهور وسنوات، وبناء اللياقة يحتاج إلى وقت، والقراءة العميقة لا تتحقق في ثوانٍ، واكتساب المهارات يقوم على التدريب والتكرار.
ومع الاعتياد على المكافآت السريعة، قد تصبح الأنشطة التي تحتاج إلى صبر أقل جاذبية، رغم أنها أكثر قيمة على المدى الطويل.
من التشتت إلى سطحية التفكير
لا يؤثر التشتت في الإنجاز فقط، بل قد يؤثر أيضًا في طريقة التفكير. فالتركيز الطويل يمنح العقل فرصة للربط والتحليل والتأمل، أما التنقل المستمر بين المعلومات فيدفع الإنسان إلى استقبالها بصورة سريعة دون التعمق فيها.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من مجرد صعوبة قراءة كتاب؛ إذ قد يتحول الإنسان تدريجيًا من التفكير المتأني إلى الاكتفاء بالانطباعات السطحية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة الاقتصار على الظاهر بقوله تعالى:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
الروم: 7.
فالإنسان الذي لا يمنح نفسه فرصة للتفكر قد يرى ظاهر الأشياء، لكنه يعجز عن الوصول إلى ما وراءها من معانٍ وحقائق.
جذر المشكلة: ماذا نسمع وماذا نرى؟
تكمن جذور التشتت في الطريقة التي نستخدم بها أدوات المعرفة نفسها. فالسمع والبصر والفكر يمكن أن تكون أبوابًا للوعي، كما يمكن أن تتحول إلى أبواب للتشويش إذا امتلأت طوال الوقت بالمحتوى غير المفيد.
وقد روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام:
«جُمِعَ الخيرُ كلُّه في ثلاث خصال: النظر، والسكوت، والكلام؛ فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة…» من لا يحضره الفقيه، ج4، ص405.
وفي هذه الرواية إشارة دقيقة إلى أن النظر ينبغي أن يقود إلى الاعتبار، والسكوت إلى التفكر، والكلام إلى الذكر والفائدة.
فحين يفقد الإنسان هذه المعاني، يقع في السهو واللغو والغفلة، وهي حالات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتشتت.
إن استعادة التركيز لا تبدأ فقط بإغلاق الهاتف أو إيقاف الإشعارات، بل بإعادة تدريب العقل على الحضور: أن ننظر بوعي، ونسمع بوعي، ونفكر بعمق، ونعطي لكل مهمة حقها من الوقت والانتباه.
فالتحرر من التشويش الرقمي واستعادة صفاء الذهن ليسا ترفًا، بل خطوة أساسية نحو التفكير الأعمق والإنجاز الأفضل والعيش بوعي أكبر.






اضافةتعليق
التعليقات