من بقعة النور ووشاح النبض.. زينب.. إشعاع يلهب الفؤاد عشقاً لأهل القيم الثابتة، والمبادئ الخالدة.. أهل العبادة الحرة والعباءة الصامدة.
أفرحوا لفرحنا، ونثروا المحافل وروداً، وعبَّؤوا المناطق شذى العطور، وتجملوا بالبسمة والبشارة لولادة البيان وأحضان السلام، السيدة زينب سلام الله عليها.
ولادة الكلمة زينب
ولدت الكلمة وتوصدت بالخبر اليقين، وتسلحت بالقوة.. عوّذتها القدرة الإلهية.. وسقتها النبوة من زكاتها مرعماً يغنيها العافية فأصبحت أهلاً لبرهان الله، وتسربلت بالطمأنينة المتفردة وامتلكت رباطة جأش من لدن بيت النبوة والولاية، فتشبعت حتى مشاشها بالإيمان والصبر والمثابرة، احتضن عاتقها ذو الفقار، وعمقها صلاة التهذيب الفاطمية.
لم يكن لولادة الفرح والابتهاج وَهْم أو اعتباط، بل خريطة جهاد.. وعُملة انضباط… تستغرق الزمن مآثر وصفات، تلملم حيلة الزمن لترمم ضعف أوتادها ليعيدها إلى مجد الثبات كالذاريات.
لمولاتي زينب روحي فداها، حكاية مع الأنبياء والرسل والأولياء، احتضنتها وسادة الحكمة، وغذتها روائع الكلمة، ربطت على قلبها لتكون شاهدة التكوين.. فكانت الحضارة التي استوعبت الأولين والآخرين وامتُحن قلبها فأضحى كوكب مآسي وويلات.. على عقول إمّعة لا تفهم المصداق وتحارب الغيب.. وتجعل من السافل إماماً متخبطاً يحكم بالباطل ويقتل بلا وقار.
فمنذ ولادتها.. تنبأ لسان الغيب بمصائبها، فتوشحت الفرحة بالبكاء، تعظيماً لها، وكأنها طائر أبيض وقد خُلِق مذبوحاً بين يدي كريم متعال،
«عندما أخبر النبي ﷺ بمستقبل السيدة زينب وما سيجري عليها من المصائب والابتلاءات من طفولتها حتى كربلاء. وعندما ضمها النبي ﷺ إلى صدره وبكى بكاءً شديداً، سألته فاطمة الزهراء عن سبب بكائه، فأخبرها قائلاً: "إن هذه البنت ستبلى ببلايا، وترد عليها مصائب شتى ورزايا أدهى".»
الحجاب ذلك الحظ الأكبر
للحجاب عند المولى زينب الكبرى حكاية ووثيقة، ارتبطت بالتفوق والالتزام وفهم المعضلات، لأنه سفر الغيب حيث الارتباط بالنوايا المتزنة، وحيث الصلاة المكتومة التي لا يفهمها إلا من اتخذ الحجاب بيتاً للعفة مطرزاً بالحياء.
السيدة زينب، رائدة الثوابت عند شدائد الفيافي ووجع الحظوظ، لقد أثبت حجابها للعالم وكل الظالمين أن الحجاب عزيمة الصالحات وسط زلزال المؤاخذات..
لقد تشبعت كلمتها باللهجة الصامدة وأشارت بأصبعها العفيف، بأن الظالم يهاب الجلباب لأنه الكلمة المعبدة بالثورة، علّمت أجيال النساء.. أن الحجاب سيف وخندق لا يُقاوم يهز عروش الطغاة…
حينما سُئل النبي ﷺ في تسميتها قال: «ما كنت لأسبق ربي». فهبط جبرائيل عليه السلام ليُقرئ النبي السلام ويقول له: «سمِّ هذه المولودة زينب، فقد اختار الله لها هذا الاسم»
فلا عجب أن اختارها الله، أن تكون من المحدثين، ورمزاً للحق وكل الصفات، وصحابة رسالة.. لقد خُوّلت مولاتي زينب لحفظ الرسالة وصيانتها وتصدت لحملها دهراً.
روي عن النبي ﷺ «أن ثواب البكاء عليها وعلى مصابها يعدل ثواب البكاء على أخويها الإمامين الحسن والحسين».
السيدة زينب وقيامة النهضة
السيدة زينب سلام الله عليها، أسست للحجاب فصلاً مفلتراً من شوائب الأمم، وأعدت له قيمة خالدة، محشوة بالدلائل التشريعية، والرموز المعتقة الغائية، وجعلت للمرأة شيفرة خاصة لا تغمرها التائهات، بل ألبستها الحفاوة، والهيبة، والفخر والاعتزاز، وجعلت لرأيها قراراً وجدارة يؤخذ بنظر الاعتبار.. وذلك بفضل اللبوة زينب لأن الحجاب هو زينب وزينب هي الحجاب.
لقد توجع الهدف من ذوي العاهات، لأنهم يعيشون الفوضى والعمق المظلم.. يحاولون بكل الطرق أن يخلقوا مسافات تحاذي المعاني السائبة، ويرسموا أسباباً مغايرة لأصل المعنى.. وزادت أنشطتهم لتحريف المسار..
لأن للحجاب راية خضراء قد بصمتها أيدي العطاء، وبدأت بها الفواتح الخيّرة وتجعل العفة باباً مغلقاً، لا ينفذه كل من هب وذاب من أحفاد الكلمات المتقاطعة، فكانت زينب سلام الله عليها هي الكلمة المتكاملة بجوانبها وأبعادها، هي شخص الحسين أخيها وهي قالب الزهراء أمها وخطاب أبيها.. هي صوت النبوة وبيتها.. كما وصفها السجاد بـ «العالمة غير المعلّمة (المفهمة)، والصدّيقة الصغرى»
ووصفتها كتب العوام بـ «العاقلة اللبيبة».
الظالم وحربه مع الحجاب
الظالم اليوم أدرك أن الستر والحجاب له سطوة جبارة وضياع لمبتغاه، وأن عملة استثماره من بين الأرصدة آلت إلى الاحتراق، لذا يسعى إلى خلع قبعة حياءه وبيع أرصدة شرفه ليحظى بكرسيه المفرط بالظلام.
لا بد من وتد يرهب الظالمين، يغزو عقر دار أفكارهم وأفعالهم، فالمسلمون اليوم يواجهون المكائد والكافر يرفع رايته علناً لبدء حربه وتحشيد غزوته وقتل أعز ما يملكه المؤمن بالله، لأن المرأة هي وتد البيت العامر بالإيمان والصلابة.. فجهودها وجهادها يدفع عنها ضرر الخسارة وكسر عودها، والحجاب هو أقوى تلك الأوتاد ناهيك عن قدراتها الأخرى من ثقافة وإبداع.
لقد تسامت ثقافة الحجاب وأخذت حيزاً واسع الارتفاع، وأصبح البنان الذي يخافه كل استعمار.. فهو الثقافة والعقيدة والشريعة هو القيمة المشرّفة الواعية هو العلو والدرجة، والسر الذي تأبط بالمعاني الإيمانية وسيف الطمأنينة لقلب النساء.. لأن الحجاب دين الله في أرضه ولباس الأولياء من مؤمنين ومؤمنات وساحته التي تتصف بالشفاء.
زينب، هي العفة والحجاب
لقد تعزز الحجاب بمواقف البطولة زينب، وصبرها، وقوتها وقيادتها وخطبها الخالدة، حتى ألفت كل الصفات الحسنة وصارت رمزاً ثرياً يخضع لها منصهراً بإرادتها.. فحجابها يحكي لنا جرعات متيمة بالرضا للقضاء.. في جوعها ووجعها.. في نطقها وسكوتها… في هجعها وصلاتها… في بكائها وصولتها.. في مكانها وزمنها… فتاريخها حافل بحكاياتها الخالدة، وكل نسمة تاريخ وهجرة يخبرنا عن حجابها وعفتها..
حتى اعترف الحجاب بفضلها عليه..
(قيل للستر تجسد صار زينب.. اسمها حقاً يُحجّب حين يُكتب).
فكل امرأة مدينة لك سيدتي، تركع صوامعنا وتسجد لهذا الصرح الذي حفظ لنا قوتنا.. فأنت التراث.. فأنت النعمة التي نحن فيها فاكهون.








اضافةتعليق
التعليقات