يا لثارات الحسين، ثقلٌ تسامى شعاره حتى بلغ حلقوم الموت..
في ذرى المعرفة ويقين الاختبار، هتف العرش وسجدت الملائكة لشعار الثأر وتلقين الأنفس ذاكرة المسير، أنك يا حسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.
اقشعرت الثوابت لدمائك يا حسين، ونهر الندم ينخر ذاكرة الحزن، أن دماءك التي ضمنت الجنة لشيعتك، اليوم تبكيك وتعاود الغليان لتبدأ رحلة الوجوم واستشعار القلب بفقدك ومقتلك، يا أبا الأحرار...
ابتدأ أفق النبض، وتزاحمت الحروف لثقل الحسين وآل الحسين، وهجير الكتمان معبأ بالدموع الساخنة، ودكة الاعتراف قيدتها سلاسل التوبة، فكيف يخطئ سهم الوقائع في ولوج الصدق وأنت يا حسين من الواضحات الدلائل؟
فيك يا حسين انطوت البيداء حين اعتلى صوتك بالنصرة، وتكلل ثباتك بمبدأ الحق ونهج التوحيد.
غاضبًا رافضًا كل طاغوت بقولك:
(ومثلي لا يبايع مثله).
إنه تحدي الوجود كله، ومثال النطق الساخن حتى تضخم وريد الثورة وبات شريانًا حسينيًا غاضبًا يغذي عقولًا مزمزمة...
تضاهت في نفوس مواليك ومحبيك تلك الشرارة التي تفيض على ضمائرها شهامة الكلمة، وأنت المحجة الكبرى في تصنيف أشياعك على متن قارب التكوين، ولولاك ما انهمك العمق في طلب نهجك، وتجردت المفاهيم لولا لغتك، ألست أنت سيد الشهداء، والكلمة ساجدة لخنصرك؟! ألست أنت المعنى في كل حرف يهيم لطلب رضاك ورضوانك؟!
لم يكن سيفك إلا كوثرًا من ذات إبهامك ينبع، وتسقيه العطاشى لمن تقلد نهجك وخضب قامته من أفكارك، أنت نبع الرحمة من أعماق العرش زلالًا طيبًا، ساري المفعول إلى حيث ملتقى الرجعة، والشاهد على من ظلمك؟!
ولولاك يا حسين ما نجونا من غوغاء التيه، وما وعينا معنى الهداية وباب السجود وتوحيد الخالق... ولولا دماء أهل بيتك وأولادك على رمال الوجع والشدائد ما استقامت النفوس وارتقت سلم العفو.
ولولا سباق أصحابك للموت، ما فهمنا مصداق التضحية وقيمتها المدججة بالمخاطر، وكمال التنمية من أجل الثبات، لأنهم عرفوك وتغذوا من بزوغ حياتك المقدسة، وكنت لروحهم الملاك وأب المعرفة وسلطانها.
فلا بد أن نعرفك ونقدسك ونكن من أهل حملة لوائك لنحظى بشفاعتك ومجاورتك ورضاك، وأرواحنا تساق إلى رفع شعار المبدأ.
لقد علمتنا جهودك المباركة في ساعة انتصار الدم على السيف أن الفقد حياة، والعطش رواء، وأن الابتلاء معية كل مخلص وصادق قد نهمت مشاشه حبك والجهاد في سبيلك، فأنت الوفرة وفيك الشفاء من كل نازلة برد تصيب أطراف الكتاب، ولأنك الدعاء حين تداهمنا الواردات...
الإمام الحسين، بصمة الوجود التي تميزت بالذوق والمذاق، فكل مضامين الخير اجتمعت في شخصك المظلوم، لقد وهبت البشرية سربًا معتقًا بالبركة والخصوصية، كذلك مجلسك ومحافل ذكرك خُصّت بالشفاء وذوبان اللوعة من صدور عاشقيك.
فأنت الأنس يا مولاي لكل مسجد واجتماع يذكر فيه اسمك وشعارك وعلمك.
لم يكن سيف الإمام الحسين عليه صلوات الله وآله هوجاء لرمل المسير، بل سبيل رحمة وتربية وأخلاق لأمة أصابها الضياع، وقد تنصل صدرك الشريف الأعظم بعلم الأولين والآخرين، ذخيرة لجيل الثقافة وكنزًا لفقراء العلم والطلب.
حتى خطواتك يا مولاي، رسم غير مفاجئ لجيل الغيب، ففي كل حبة من ذخيرة الإصلاح جداول توعية ودعوة استنهاض قاصدًا لنا السلامة.
في كفك المبارك قدر مكتوب أن النصر حليف داعي الله، وأن الخسران لكل من عادى محمدًا وآل محمد.
لقد رسم الإمام عليه السلام خريطة العالم وفق معايير مسيره النابع من أم البصيرة وصحيفة النور، فكوّن عائلة الخلود من دمائه السائلات، وبنى للرسالة بيتًا للتوحيد يُعبد الله فيه، وتُصنع الهمم من ترابه، وثبت للدين دعائم وأعمدة غير مستترة، بل متجلببة بالعفاف والعافية، وأودعها قلب القيادة، وجعل في الشريعة بابًا لسقاية الحاج إليك.
ومن فيض علمك ونثار تضحياتك كبرت مكتبة الإسلام واستغنت، وتحضرت الكلمات وتجملت، فلولاك يا حسين لم يكن للدين معنى ولا روح، وضاع الشعار في مغبة الرموز، ولولا تضحياتك لم نكن، بل كنا مثال المتخبط في دينه.
في ذرى التوطين، احتوى النور خيام الحسين عليه السلام، وكنت قلبها النابض بالحياة وسوسنها اليقظ بعطره. حتى سجدت نواصي الموت خجلًا منك، لأن الحسين عليه السلام أهداه قلادة الفخر والشهادة.
أبناؤه، نساؤه، إخوته، وكل أهل بيته، لم يكن لهم قلب ينبض دون قلب المولى سلام الله عليه وإحساسه الدافئ، لأنك الفجر الذي انطوى فيه عالم الخلق.
حتى بيت الثقة وملاك الاعتقاد كان له مقصد آخر في حجر الحسين عليه السلام، فلا ثبات إلا بالرفض القاطع لمبدأ الخلاف، وسمية الثروة في الفكر تعتمد على أصالة الكلمة وعدم مراوغتها في دفتر التدوين.
(ذُكر في الرواية أن الإمام الحسين عليه السلام في طريقه إلى كربلاء التقى برجل اسمه الضحاك بن عبد الله المشرقي، فدعاه إلى نصرته، فاستجاب هذا الرجل، ولكنه علّق استجابته على شرط، وهو أن ينصر الحسين ما دام له ناصر، فإذا نفد أنصاره ولم يكن هناك فائدة من نصرته انسحب من ذلك، فوافقه الإمام الحسين.
وفي يوم عاشوراء، استُشهد من أنصار الحسين من استُشهد، فجاء الرجل وذكر الإمام بشرطه، وأنه يريد الانسحاب من المعركة، فقال له الإمام: «نعم، انجُ بنفسك إن استطعت، ولكن كيف يكون لك ذلك؟». وكان هذا الرجل قد خبأ فرسًا له تحت خيمة انتظارًا لساعة الهرب هذه، إلا أنه نجا بهربه، ورغم الظروف القاسية التزم الحسين بوفائه بشرطه).
لقد دمجت سفينة الحسين عليه السلام كل الفئات تحت راية واحدة وعقيدة أزلية، لم يصنعها من التكابر، بل كان الخلق الحسن مسارها والعبادة هدفها، وقد شرّع لها قصة بلون الغيب عمرها طويل وغطاؤها حرير، وزادها القرآن، وثوبها الصلاة، وعباءتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
نهج الحسين عليه السلام يعني العفاف وقوة البصيرة والصبر على البلاء، يعني العطاء ولباس التقوى ونبذ التذبذب والتزام بيت الولاية وإقامة الشريعة وحسن الأداء وحفظ الأمانة والهمة العالية، والذي له الفضل الأكبر والمنة الشافية لهداية البشرية، فلقد وجلت القلوب للحسين وأودعها الله حبه والإذعان إليه، لأنك يا حسين شرّعت للإيثار والتضحية قوامًا خاصًا لم يكن لغيرك فيه مثلًا.
إن ذاكرة الطف تجملت بالهيبة الكبرى والأمثال العليا، فقد جمع الحسين سلام الله عليه صفات كل الأولياء والرسل، ومثل حضورهم الغيبي في كربلاء.
رُوي في بصائر الدرجات عن جعيد الهمداني أنه سأل الإمام الحسين في كربلاء عما يحكمون به، فأجابه الإمام: «نحكم بحكم آل داود».
وأنجز وعده للبيت العلوي، وصنع للتاريخ ثورة اختُصت بالاستثناء من كل جوانبها وأبعادها، حتى صُنفت من أكمل الثورات هدفًا، وأعمقها جرحًا على طول الوجود، وأصدقها عطاءً، وأمداها وجودًا، وأطولها عمرًا، وانفرادها بامتيازات أخلاقية تبناها أفرادها بمواقفهم المأساوية المبكية، فكل موقف فيها يحمل مضمونًا خاصًا يختلف عن الآخر حتى اكتملت فيها أسماء الله وصفاته من خلال اجتماع صورها.
إن ثورة الحسين عليه السلام تحدّت النقص الذي أوجع الأمة وأنساها ضميرها ووجدانها، فصنع لها قالبها، وكفل خطواتها بالسداد، وألبسها ثوب الصلاح بعيدًا عن كل مذمة، وسد بوابة الشكوك، وأوعزها عزًا شامخًا ومرونة، وانتزع منها قساوة الظرف، حتى باتت رمزًا وحيانيًا لكل الثورات، وأنها الدولة التي ضمنت كل الأخلاق والفضائل.
إحياء تلك الشعائر يعني كشف المستور والوقوف بقوة وامتنان، والإصرار على حفظ تلك القنوات التي لولاها لضاع الدين، وتحفيز السواعد المؤمنة لحفظ الشعار الديني من الزلل والشكوك ونصرة الحق الذي تمثل بالحسين وثورته المباركة، وإمدادها باليقين الصادق والعهد والبيعة بأنها الثورة التي لم تُذل أبدًا ولم تركع لطاغوت.








اضافةتعليق
التعليقات