تمشي إليك توسّلًا خطواتي، في أربعين الحسين سلام الله عليه، تسجد نواصينا عشقًا لصومعة العبادة وروحها، الحسين بن علي سلام الله عليه، ولو بزحف المناطق، نطرق باب الإغاثة، ونقبّل أعتاب الحسين ليأخذ بجلبابنا إلى حيث وقار الهتاف وعمق الصرخة، وتلبية لنداء النصرة..
لأننا من عنق الزحام، وضعف الخنادق، نرتجي الخلاص، ليرتقي فينا التشافي، ويتجاوز خطأ النفوس، وتصفو الذات من خذلان الضمير، واستتمام المسير تأسّيًا بالكلمة المسبية.. والأربعين وسام لكل المواسم.
الأربعين يعني الانتفاضة على الذات الضائعة في جداول التيه، وغسول عصب الحياة من كل رجس، وتمجيد الذكر وإن طال زمانه؛ ليتعلم الرُّقاد معنى الانتباه من الغفلة.. فليس كل سكون يعشق الكلمات الصامتة، بل اهتزاز الحزن من موق الثوابت يعلمنا كيف تثأر الدمعة؟!، ومتى تربو حتى تكتمل؟! لتصبح عمرًا إضافيًا لمسارها الدافئ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَآلِهِ:
إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَصَبَ فِي قَلْبِهِ نَائِحَةً مِنَ الْحُزْنِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ، وَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ إِلَى الضَّرْعِ، وَإِنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مَنْخِرَيِ الْمُؤْمِنِ أَبَدًا.
يوم الأربعين، يوم الثورة على نواقص الأجيال وترميمها بنداء التلبية، وإيداع مخزونها رفضًا مستديمًا لكل ساهية، هو يوم حفظ المواثيق، وإتمام صفقات الأجر، وبناء بيوت التوبة، وهدم ناطحات السيئات، وإيقاظ الذمم.. يوم الزحف العالمي إلى الحسين وآل الحسين.
(▫️اللَّهُمَّ خُذْ بِحَقِّنَا وَانْتَقِمْ مِنْ ظَالِمِنَا، وَأَحْلِلْ غَضَبَكَ بِمَنْ سَفَكَ دِمَاءَنَا، وَنَقَصَ ذِمَامَنَا، وَقَتَلَ حُمَاتَنَا، وَهَتَكَ عَنَّا سُدُولَنَا.)
الأربعين من أيام الله، تجوب مفرداته حواضن المؤمنين؛ لأنه من الثوابت التي عززتها أقدام الإصرار، وراية التاريخ، وصيحة الوجد من بطون طاهرة، ويد الحمد، وعطش الأفواه، وقلم البراءة، وكتاب التدوين، وقامات الدماء، لتستوفي للتاريخ قصة من عمق الالتزام والسجود للنهج الحسيني؛ لأن الأربعين يوم طواف كل الأنبياء والأولياء والملائكة وأمهات الرسالة، يوم طواف الكائنات لبقعة النور.
هذه الأيام نداولها بين الناس؛ ليتعرّف القاصي من الداني أن الامتياز فيها إنما بشخوصها وربيع أفكارها، وهو الحسين وأصحابه وآل بيته، بيد أن العلم ليس حروفًا طرزتها أصابع الكتب فقط، بل المواقف منها هي أثبتُ جدارة، وأمضى في مداها وصداها، وإن الصوت الملازم لها هو الأكثر قوة، والأبهى هدفًا..
في وسائل الشيعة، ج/16، رواية عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: من أتى الحسين بن علي (عليه السلام)، فتوضأ واغتسل في الفرات، لم يرفع قدمًا ولم يضع قدمًا إلا كتب الله له حجة وعمرة.
لقد توسم يوم الأربعين بأزلية الحضور، واكتمال الهدف، ومشروعيته المختومة بالحق، الذي أكسب المبدأ حلة لا تبور، ونورًا لا يخبو، وجعل من لحظاته زمنيةً متعهدة لا يحدها الاندهاش والنظير أبدًا، وتوسع مفهومه حتى شمل كل فصائل الحياة؛ لأنه بقعة العرش، ومثال الغيب، والموروث الحسيني النقي، والمنظومة العقائدية التي لا تغيب عنها الشمس.
لقد حظي الأربعين ببصمة الخالق المتعال، وعُدَّ من علامات المؤمن، وارتبط هذا المفهوم بالمشروع الحسيني، وقد واكبه فيض نبوي، وبلاغ علوي، وكتاب روائي، خطته أنفس الولاء، وجمعته اليد العتيقة في أم كتبها، وحفظت سطورها سواعد التاريخ بدمها ودموعها، وقوة بصيرتها.. ليظل يومًا استثنائيًا وإن غارت عليه الدواهي.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): يا زرارة، إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحًا بالدم، وإن الأرض بكت أربعين صباحًا بالسواد، وإن الشمس بكت أربعين صباحًا بالكسوف والحمرة، (وإن الجبال تقطعت وانتثرت، وإن البحار تفجرت)، وإن الملائكة بكت أربعين صباحًا على الحسين (عليه السلام).
فلقد اضطرب عالم التكوين؛ لأن الحسين قلب التكوين وكل الوجود، ولكي يقوّم هذا، فلا بد من ختام يفضي إلى الاعتدال والسير قدمًا لتهدئة زلزال الوجع والمأساة.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(إنّ السائرين إلى المرقد الشريف للإمام الحسين عليه السلام يستعيدون ذكرى الماضي، ويجدّدون انتماءهم إلى المشروع الإصلاحي الذي ضحّى الإمام عليه السلام من أجله، ويؤكِّدون أنَّ قيم عاشوراء ما زالت حاضرة في وجدان الأمة، وأنَّ الاستعداد لنصرة الحق لم يخمد بمرور الزمن).
في يوم الأربعين، كل شيء يدمدم ويهمهم. الشمس، التراب، همسات الرياح الساخنة، قنوات الطريق الموجعة، عبوات الإنهاك، ألم المسير، عبير المواساة، دمع الهجير، كلها ثكلى تبكي، تولول، تعانق التعب بهيام، صوتها أجيج يخلق من خطواتها رواية لا تموت، وثوابًا لا يزول، خطوات استغرق شرابها من عين الحياة، فأطال الله سبحانه عمرها حتى فرج الاستقامة والنور، والإعجاز فيها على مد بصر.
في بصائر الدرجات، عن ابن سنان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، إن أباك كان يقول: في الحج يحسب له بكل درهم أنفقه ألف درهم، فما لمن ينفق في المسير إلى أبيك الحسين (عليه السلام)؟
فقال: يا ابن سنان، يحسب له بالدراهم ألف وألف حتى عد عشرة، ويرفع له الدرجات مثلها، ورضا الله خير له، ودعاء محمد (صلى الله عليه وآله)، ودعاء أمير المؤمنين والأئمة خير له.
الأربعين ثورة التسليم المطلق، المتصبغة بالصدق اللامتناهي، للمولى الحسين عليه وآله صلوات الله، عالم ليس كل العوالم، أحاطته القداسة بأجلّ إحاطة، فتمكنت هالتها من عنونة كل الخطوات بالقدسية.. لأن العطاء فيها برزخي قيوميّ محض، واللقمة فيه مباركة طيبة.
تدخلت فيها يد الغيب، وغذتها بالصبر والاستقامة، وألهمتها النصر المحتَّم المنبعث من ذات الوجدان وعمق الدلالة، ومعرفة الوجود الحسيني المبارك، وإدراك مقوماته بنفس مطمئنة؛ لأنه اللواء الحر، والشعار القابع في قلب العرش والوجود..
في مستدرك الوسائل، ج/10:
عن الفضل بن يحيى، عن أبيه، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: زوروا كربلاء ولا تقطعوه، فإن خير أولاد الأنبياء ضمنته، ألا وإن الملائكة زارت كربلاء ألف عام من قبل أن يسكنه جدي الحسين (عليه السلام)، وما من ليلة تمضي إلا وجبرئيل وميكائيل يزورانه، فاجتهد يا يحيى أن لا تُفقد من تلك المواطن.
يتجلى الأربعين في عين الإعلام، دولةً ذات أبعاد متعددة الآلية، ومنظومة أفكار يجمعها الحوار بقالب الأخلاق، ومضمون تجلّى من خلال أُنسها وأنيسها، حتى تسربت معانيها في خفقات قلب المخلصين، يترقبه المعزّون بعيون عبرى، وصدور حرى، متوسمة بنداء اليقظة، وشعار متقدم قد جمع أسباب الحياة، وحفظ سندانها ليبقى حيًا، عذبًا، مرنًا، طريًا، لا يولد من خاصرة الفوضى، بل من تراث نقي، ليزيده علوًا، وخصوصيةً مميزةً بالشفاء، ذا راية خضراء، يلتحفها الموالي ليتعافى من صدأ الخوف، ودوامة الشكوك.
زيارة الأربعين، لا تُختصر فيها الركائز، بل توجلت بالوحي من يوم الانطلاق إلى يوم العهد، فهي المكملة لقيامة النهضة، والأيام المقبلة كفيلة لإظهار تلك الصفقة المتشحة بالبيعة، وقوافل العشق الحسيني تفر إلى قلب التكوين، الحسين صلوات الله عليه، وأفق الحناجر معمَّرة بنداء التلبية.








اضافةتعليق
التعليقات