وامحمداه، الصيحة التي بكت عليها حقائق الوجود، وعُمّرت مناقب الذوات بالأحزان بفراق الأحبة..
لغزًا لم يفقد أفقه، بل دعا العقول لطاعة الزعامة العلوية واستدراج الذمم بهذا النداء حتى لا تضيع تحت سنابك الافتراء، فلا اكتمال للدعوة إلا ويد الاعتراف تحوم بيت الولاية، في كل خطوة وحرف وإشارة ولحظة.
النبي صلوات الله عليه وآله، كان يعرف جيدًا ما تروم له أنفس الكفر حتى تنال من شخصه المبارك، لذا تميز المشروع النبوي بالانتقالية المتعددة والخطوات، فجعل من لواء علي عليه السلام، البوابة الأخرى لمجاراة الظروف وإضفاء نوعية فكرية أخرى، بأن جعل المواجهة مختلفة، فقال له: (يا علي؛ أنا أحاربهم على التنزيل وأنت تحاربهم على التأويل).
وجعل للمشاعر والعاطفة دورًا آخر، فصارت المأساة، تلك اللمسة الهائجة لاستنهاض النفوس من غفلتها، ولتُفتضح الظلمة جراء سوء أفعالها.. وهكذا حتى تُبنى نواة الخير ويُبنى الإنسان الجديد تحت مظلة الأخلاق والمضامين الخيّرة…
وهذا ما لمسناه في هجوم الدار، ومحاولة الاعتداء على بيت النبوة وحرق الدار، والمأساة الكبرى في يوم عاشوراء وسبي العترة الطاهرة.. فهذه الأدوار في المواجهة لم تكن وليدة الساعة، بل هي خطة غيبية مدروسة أحكمت من لدن خبير متعالٍ.
فلا يمكن الفصل هنا، فالمشروع النبوي شهده أشخاص اختارهم الله تعالى لتتمة كلمة الله في أرضه، لأن الرسالة السماوية لم تختصر على شخص الرسول المعظم، بل اتخذت شكلًا مفصليًا لا يكتمل إلا بعلي وآل علي مع كل ما جرى عليهم أهل البيت سلام الله عليهم.
(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)..
دعوة نبوية مجردة عن الولاية، فهي بتراء لا تتكامل أبدًا. من بواطن النضج يولد السؤال، ومن دواعي الأفكار المتيقظة يتطور الوعي، ليكشف شيفرة التلبد التي قصمت ظهر الكتاب.
في علة التكوين لا فاصلة بين النبي والولي، سوى ثغرات الوقت والظرف، النبي صلوات الله عليه وآله، تبنى مشروع الإصلاح والتغيير لأمة احتضنها الجهل، والأفكار المشذبة، سُرق وجدانها وبات أسير الفكرة الغامضة، والمشاعر الجافة، لا خُلق يقوّمها فتنهض ولا إحسان فتبرأ…
دعوة نبينا صلوات الله عليه لم تُصب بالملل أو الفتور، بل حكمة التدبير تجلّت بسخاء من نبعها المتجدد برويّة. ذابت المهجة وأفل نبضها بفقدك يا حبيب قلوبنا، فأنت الأمان الذي أنسناه في كل الشدائد، والنعمة التي ارتقت بنا إلى حيث النجاة من المهالك..
قل للمغيب، إن الدمعة عليك تراث يجود للوجود من أترابه سوسن وأزهار، وإن الليل مصائب بفقدك ومقابر.. كيف نراهن الفيض ونورك قد أسدل علينا ستاره، يا رسول الله، لقد استوحى الفلك آيات من تراتيل حديثك، وأنصفت أمتك من رحمتك فرقدًا كبيرًا.. فأنت الصفة لكل مضمون أخلاقي حتى سقيت العالم من رغيد منهجك فتحًا مبينًا، حتى قال:
(أيها الناس، ألا وإني سائلكم عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما).
اجتمع في شخصك التكبير وارتبط اسم عترتك في التأويل، حتى تجاوزت السدرة، فكانت الصلاة عليك رهبانًا للمؤمنين، وأزيز العرش من حجرتك ملكًا كبيرًا..
يا رسول الله، أنت الحكمة والنبوءة وقد قلت في حديثك:
«حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ».
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ:
«أَمَّا حَيَاتِي، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، وَأَمَّا مُفَارَقَتِي إِيَّاكُمْ، فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، فَمَا كَانَ مِنْ حَسَنٍ اسْتَزَدْتُ اللَّهَ لَكُمْ، وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيحٍ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ».
قَالُوا: وَقَدْ رَمِمْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ يَعْنُونَ: صِرْتَ رَمِيمًا.
فَقَالَ:
«كَلَّا، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ لُحُومَنَا عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَطْعَمَ مِنْهَا شَيْئًا».
فكان اكتمال عقولنا بدعائك لنا واستغفارك إيانا، أعظم منّة وأقوى حجة علينا، بأنك باب النجاة والشفاعة، وأنت الختم والختام لهويتنا، تتم الصالحات بك ويعتز الذكر بحديثك، ولولا بصمتك وأنفاسك ما دامت لنا حياة ولا عروة وثقى..
إن النبي صلوات الله عليه غيّر قالب التاريخ وصنع له منهجًا وأبوابًا ورجالًا، وقد قلب الواجهة إلى حضارة أزلية، تدعو إلى الموعظة الحسنة، إلى الحوار الممتن، إلى منابر وخطاب، بنى للإسلام بيتًا اسمه المساجد.
مشروعًا إسلاميًا متكاملًا ضد منظومة من الرذائل.. وقد سدده بالعترة الطاهرة، علي وآل علي، ليضفي عليه طابع الديمومة ويكون امتدادًا أبديًا إلى قيام الساعة.
لا يموت بموته ولا ينتهي بأجله، يقول رسول الله:
(اشتد غضب الله على من أراق دمي وآذاني في عترتي).
هذا الارتقاء بالطموح يجعل من الأسلوب ذا منسوب توعوي له صبغة خاصة تنمي فيه القوة ليهجر ضعفه، تفرض فيه المواقف نفسها لتلبية الغاية بأسلوبها المتين، على محورية النفس وتبسط نفوذها على النوايا الباطنة.
(رجل من يثرب يدعى "سويد بن الصامت"، فلقاه النبي على مقربة من مكة، فدعاه للإسلام، فقال سويد: أظن الذي معك مثل الذي معي، فقال النبي: وما معك أنت؟ فقال: مجلة لقمان "أي حكمة لقمان"، فقال النبي: اعرضها أسمعها، فقالها له، فقال النبي: إن الذي معي خير من الذي معك، فإن الذي معي هو من رب لقمان، فأخذ النبي يقرأ لسويد آيات من القرآن الكريم، فقال سويد: كفى يا محمد، أعطني يدك، فأعطى النبي يده، فقال: أشهد أنك رسولًا من الله، صدقت وصدق ربك، وكان أول شخص يسلم من أهل يثرب)...
الحضارة الإسلامية قائمة على الصراحة في المبدأ، تحفز فيه التطلع وتفرض نفسها في ساحة المواجهة وتلبي الغاية بأسلوب العفو والموعظة الحسنة، دون الالتفات إلى أي إقناع نفسي مبطن بالتردد، بل إيراد الدقة والنظام وبلورة الفكرة المطلوبة في ذهن المتلقي، واختيار الحبر النقي لتثبيت الدعوة الصادقة، فكانت أقوى الحضارات على وجه الأرض وما تميزت به دون الأنبياء السابقين هي الأقوى والأشمل والأجمل من حيث القلب والقالب، فكل الأنبياء نُسخت دعوتهم وتحولت إلى مثال وعبرة، إلا رسالة نبينا محمد صلوات الله عليه، تخطت تلك الحدود، اتصفت بالعالمية والأزلية..
وإن كلمة (حسين مني وأنا من حسين) عُدّت من أبلغ وأشمل وأكبر منطقًا، مفهومًا وعقائدًا، لأن النبوة ما كانت لولا نهضة الحسين وثورته المباركة، الداعية إلى حفظ مواثيق النبوة ودينها.. ولولا النهضة النبوية ما كان للنهضة الحسينية من بديل، الراية واحدة، والمبدأ واحد، والفكرة والمنهاج في أحضان الرسالة، تخلد فهم الامتداد الواحد لإحياء دين الله.
يقول مولانا أمير المؤمنين عندما أراد دفن الجسد الطاهر للنبي صلوات الله عليه:
(بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنبياء ومن أخبار السماء والأرض)..
هذا المشهد التاريخي، يمثل لنا تعريفًا ناضجًا من فم قد لعق الشرع من لسانه الحقيقة.. أن شخص النبي قد تجسدت فيه كل مآثر الأنبياء، وقد جمعت كفه المباركة صفاتهم، فكان خاتم الأنبياء والرسل، فهو الأمان لأهل الأرض والسماء، وقد انقطع وداهمت البلايا بيوت عترته، وصارت الليالي ظلامات تموج فيها أعشاش العاشقين لك، وبعثرت الأحزان ذاكرة الوجود، واهتزت المآذن حزنًا عليه لفقده، قال رسول الله صلوات الله عليه:
(فقال النبي لجبريل: لكل نبي دعوة مجابة ودعوتي ادخرتها لأمتي يوم القيامة).
يعز عليك مولاي يا أمير المؤمنين رحيل النبوة وأبو الشريعة ومؤسسها.. وتبدأ معك معاناة الطريق حيث العهد والوعد ومؤازرة الإخوة وأحزان العترة الطاهرة.








اضافةتعليق
التعليقات