كانت السيدة فاطمة الزهراء في ذلك اليوم، اليوم الأخير من حياتها، طريحة على فراشها المتواضع، وقد أخذ الهزال منها كل مأخذ، وما بقي منها سوى الهيكل العظمي فقط، نامت السيدة فاطمة في ساعة من ساعات ذلك اليوم، وإذا بها ترى أباها رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام، ولعل تلك المرة هي الأولى والأخيرة التي رأت الزهراء أباها الرسول في المنام.
رأت أباها في قصر من الدر الأبيض، فلما رآها قال (صلى الله عليه وآله): «هلمي إلي يابنية، فإني إليك مشتاق !!
فقالت: والله إني لأشد شوقاً منك إلى لقائك.
فقال لها: أنت الليلة عندي !!»
انتبهت من غفوتها، واستعدت للرحيل إلى الآخرة، فقد سمعت من أبيها الصادق المصدق الذي قال: من رآني فقد رآني. سمعت منه نبأ ارتحالها فلا مجال للشك والتردد في صدق الخبر.
فتحت عينها، واستعادت نشاطها، ولعلها كانت في صحوة الموت وقامت لاتخاذ التدابير اللازمة واغتنمت تلك السويعات الأخيرة من حياتها، ويعلم الله مدى إنشغال قلبها وتشتت فكرها في تلك اللحظات، فهي مسرورة بالموت الذي سوف يحل بها، فإنها تستريح من هموم الدنيا وغمومها، وتلتحق بأبيها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) حيث الرفيق الأعلى والدرجات العلى في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وتتحقق في حقها البشرى التي زفها إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم قال لها: «أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي».
ولكنها من ناحية أخرى يضطرم قلبها لأنها سوف تترك زوجها العظيم وكفوها الكريم وحيدا غريباً في هذه الحياة القاسية، بلا ناصر ولا معين سوى الله تعالى، فلقد كانت الزهراء خير محامية ومدافعة وناصرة لزوجها في تلك الأحداث، فمن الذي يقوم مقامها إذا هي فارقت الحياة؟
ومما كان يؤلمها في تلك السويعات أكثر وأكثر وكان يضغط على قلبها أنها تفارق أطفالها الصغار، وكأنهم أفراخ لم تنبت أجنحتهم بعد، ستترك أفلاذ كبدها أهدافاً لسهام هذا الدهر الذي لا يرحم كبيراً ولا صغيراً، ولا وضيعاً ولا شريفاً، وخاصة وأنها قد سمعت من أبيها (صلى الله عليه وآله) مرات عديدة: أن آل رسول الله المستضعفون وأنهم سوف يرون أنواع الإضطهاد وألوان المصائب والذل والهوان، كما شاهدت هي ذلك بعد وفاة أبيها الرسول (صلى الله عليه وآله).
ويعلم الله كيف كانت هذه الهواجس والأفكار تهاجم قلبها المنكسر وعلى كل حال: فالحزن - هنا - لا يجدي ولا ينفع، ولابد من الاستسلام للواقع المر، والتسليم لأمر الله وقضائه ولابد من انتهاز هذه الفرصة القصيرة التي تمر مر السحاب، أقبلت الزهراء تزحف أو تمشي متكأة على الجدار نحو الموضع الذي يوجد فيه الماء من بيتها، وشرعت تغسل ثياب أطفالها بيديها المرتعشتين، ثم دعت أطفالها وطفقت تغسل رؤوسهم بالماء والطين، لأنها لم تجد غسيلاً غير الطين، ودخل الإمام علي (عليه السلام) البيت، وإذا به يرى عزيزته قد غادرت فراش العلة وهي تمارس أعمالها المنزلية، رق لها قلب الإمام حين نظر إليها وقد عادت إلى أعمالها المتعبة التي كانت تجهدها أيام صحتها، فلا عجب إذا سألها عن سبب قيامها بتلك الأعمال بالرغم من انحراف صحتها؟
أجابته بكل صراحة لأن هذا اليوم آخر يوم من أيام حياتي، قمت لأغسل رؤوس أطفالي وثيابهم لأنهم سيصبحون يتامى بلا أم!!
سألها الإمام عن مصدر هذا النبأ فأخبرته بالرؤيا، فهي بذلك قد نعت نفسها إلى زوجها بما لا يقبل الشك.
وصية فاطمة الزهراء عليها السلام
السيدة فاطمة في أواخر ساعات الحياة، وقد حان لها أن تكاشف زوجها بما أضمرته في صدرها طيلة هذه المدة، من الوصايا التي يجب تنفيذها ولو بأغلى الأثمان ولا يمكن التسامح فيها أبداً، لأن لها غاية الأهمية، كأني بها وقد فرغت من أعمالها المنزلية وعادت إلى فراشها وقالت: يا ابن عم !! إنه قد نعيت إلى نفسي، وإنني لا أرى ما بي إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي.
قال لها علي (عليه السّلام) اوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله، فجلس عند رأسها، وأخرج من كان في البيت، ثم قالت: يا ابن عم! ما عهدتني كاذبة ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني.
فقال علي (عليه السلام): معاذ الله!! أنت أعلم بالله، وأبر وأتقى وأكرم، وأشد خوفاً من الله من أن أوبخك بمخالفتي، وقد عز علي مفارقتك وفقدك، إلا أنه أمر لا بد منه، والله لقد جددت علي مصيبة رسول الله، وقد عظمت وفاتك وفقدك فإنا لله وإنا إليه راجعون، من مصيبة ما أفجعها وآلمها، وأمضها وأحزنها، هذه مصيبة لا عزاء منها ، ورزية لا خلف لها، ثم بكيا جميعاً ساعة، وأخذ الإمام رأسها وضمه إلى صدره ثم قال: أوصيني بما شئت فإنك تجدينني وفياً أمضي كلما أمرتني به، وأختار أمرك على أمري.
فقالت: جزاك الله عني خير الجزاء.
يا بن العم: أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني، فإنهم عدوي وعدو رسول الله، ولا تترك أن يصلي علي أحد منهم ولا من أتباعهم، وادفني في الليل إذ هدأت العيون ونامت الأبصار.
وعن الامام الباقر (عليه السلام) إن فاطمة (عليها السلام) - لما أرادت الوصية - قالت لأمير المؤمنين (عليه السلام): «يا أبا الحسن: إن رسول الله عهد إلي وحدثني أني أول أهله لحوقاً به، ولابد مما لابد منه، فاصبر لأمر الله وأرض بقضائه ».
وروي عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: «لما حضرت فاطمة الوفاة، بكت، فقال لها أمير المؤمنين: يا سيدتي ما يبكيك؟
قالت: ابكي لما تلقى بعدي.
قال لها: لا تبكي، فوالله إن ذلك لصغير عندي في ذات الله».
هذه وصية السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي يتجلى فيها مدى تألمها من ذلك المجتمع، ومدى تذمرها من الجفاة القساة، إنها اختارت أن تسجل اسمها في طليعة أسماء المضطهدين المحرومين وأن تدون إسمها في سجل المظلومين، حتى يكون اسمها رمزاً للمظلومية والحرمان، وليكون تشييع جثمانها تعبيراً عن سخطها على السلطة وعلى كل من أيد تلك السلطة واعترف بها وتعاون معها، وإعلاناً عن غضبها على كل من وقف من الزهراء موقفاً سلبياً.
أوصت أن يُشيع جثمانها ليلاً وتجري مراسيم التشييع ـ من التغسيل والتكفين والصلاة والدفن - في جو من الكتمان، وأن لا يشترك في تشييع جنازتها إلا أفراد لم تتلوث ضمائرهم بالإنحراف ولم تسود صفحاتهم بالإنجراف، أفراد كان موقفهم تجاه السيدة فاطمة - خلال فترة الإنقلاب - موقفاً إيجابياً مشرفاً.








اضافةتعليق
التعليقات