في أعماق الشخصية، وفي أغوار النفس وكينونتها، يوجد شعور أساسي يؤثر في الطريقة التي نرى بها أنفسنا ونتعامل بها مع الحياة والآخرين؛ إنه احترام الذات.
واحترام الإنسان لذاته لا يعني أنه بلغ حد الكمال، أو أنه لا يرى في نفسه نقصاً أو ضعفاً؛ بل يعني أنه يشعر بقدر من الرضا والاطمئنان تجاه نفسه، ويدرك نقاط قوته، ويتقبل نقاط ضعفه من دون أن تتحول إلى سبب لاحتقار ذاته أو التقليل من قيمتها. إنه، باختصار، أن يحمل الإنسان مفهوماً إيجابياً ومتوازناً عن نفسه.
ولا ينبغي الخلط بين احترام الذات والشعور المؤقت بالرضا الناتج عن نجاح أو فوز أو إنجاز؛ لأن احترام الذات يرتبط بما نعتقده عن قيمتنا بوصفنا أشخاصاً، لا بما نحققه في لحظة معينة، ولهذا قد نجد أشخاصاً يحققون إنجازات كبيرة، لكنهم في أعماقهم لا يشعرون بقيمتهم ولا يقدرون أنفسهم. وفي المقابل، قد يتعثر صاحب احترام الذات المرتفع أو يفشل في تجربة ما، من دون أن يفسر ذلك على أنه دليل على أنه شخص فاشل.
فالفرق كبير بين أن يقول الإنسان: «لقد أخفقت في هذا الأمر»، وبين أن يقول: «أنا إنسان فاشل»، صاحب احترام الذات يستطيع، حتى عندما تسوء الظروف، أن ينهض من جديد ويواصل مسيرته؛ لأن الفشل بالنسبة إليه تجربة عابرة، وليس حكماً نهائياً على شخصيته.
احترام الذات ليس أنانية
قد يبدو للوهلة الأولى أن الشخص الذي يتمتع بتقدير مرتفع لذاته سيكون أكثر انشغالاً بنفسه، لكن الأمر قد يكون على العكس تماماً. فمن يشعر بقيمته ولا يحتاج باستمرار إلى إثبات نفسه أمام الآخرين، يكون أقدر على الالتفات إليهم والاستماع إليهم والاهتمام بشؤونهم.
وتورد الكاتبة مثالاً لرجل يتمتع بدرجة عالية من احترام الذات؛ فقد أمضى أول لقاء معها وهو يسأل عن أحوال الحاضرين باهتمام حقيقي، ثم اكتشفت لاحقاً أن له جهوداً كبيرة في العمل الخيري، وأنه أسهم في جمع ملايين الجنيهات لمساعدة المحتاجين ووضع برامج لإعالتهم.
كان يستطيع أن يقضي اللقاء كله متحدثاً عن إنجازاته، لكنه لم يكن في حاجة إلى ذلك؛ لأنه كان واثقاً من قيمته، ولذلك امتلك مساحة نفسية كافية للاهتمام بالآخرين.
حين تنخفض قيمة الذات في أعيننا
أما الوجه الآخر للمسألة فيظهر لدى من يعانون انخفاض احترام الذات. هؤلاء كثيراً ما يشعرون، في أعماقهم، أنهم غير جديرين بما يكفي، وينعكس ذلك على خياراتهم وسلوكياتهم.
فقد يختارون أهدافاً أدنى من قدراتهم لأنهم لا يثقون بإمكاناتهم، أو يضعون أهدافاً شديدة الصعوبة ثم يستسلمون سريعاً عند أول تعثر. وقد يقضون وقتاً طويلاً في التردد والاعتذار والدفاع عن أنفسهم، أو في استعراض إنجازاتهم طلباً للاعتراف والقبول.
وفي بعض الحالات، قد يلجأ الإنسان إلى الطعام المفرط أو الشراب أو سلوكيات مؤذية أخرى للهروب من الألم النفسي، ولا يكون الانشغال بالنفس هنا ناتجاً عن حب مفرط لها، بل قد يكون العكس تماماً؛ فالإنسان الذي لا يحب نفسه قد يصبح شديد الانشغال بنظرة الآخرين إليه، ويسعى باستمرار إلى الحصول منهم على ما يفتقده في داخله من قبول وتقدير.
إن احترام الذات يشبه الأرض التي تنمو فوقها جوانب الشخصية الأخرى؛ فإذا كانت هذه الأرض هشة، فقد لا يستطيع الإنسان إظهار مواهبه والاستفادة من إمكاناته، مهما كانت كبيرة. أما عندما تكون علاقته بذاته أكثر توازناً، فإن قدراته تجد مساحة أوسع للنمو والظهور.
البذور الأولى تبدأ في الطفولة
لا يولد الطفل وهو يحمل حكماً جاهزاً على قيمته. لكن السنوات الأولى من حياته تسهم بدرجة كبيرة في تشكيل صورته عن نفسه، فالطريقة التي يعامله بها والداه ومعلموه والمحيطون به، والرسائل التي يتلقاها منهم، تساعده تدريجياً على تكوين إجابة داخلية عن سؤال مهم: هل أنا شخص محبوب وجدير وقادر؟
ومن التجارب التي قد تسهم في إضعاف احترام الطفل لذاته:
تحميله توقعات تفوق قدراته باستمرار، فيشعر أنه يفشل مهما حاول.
انخفاض توقعات المحيطين به إلى درجة تجعله يشعر أن أحداً لا يؤمن بقدراته.
إشعاره بأنه غير مرغوب فيه أو لا قيمة له.
نشأته مع أشخاص يفتقرون هم أنفسهم إلى احترام الذات، فيتعلم منهم الطريقة ذاتها في النظر إلى نفسه.
جعله يشعر بأنه غريب أو غير منتمٍ إلى أسرته.
تحميله مسؤولية تعاسة الكبار ومشكلاتهم.
إساءة معاملته حتى يترسخ لديه اعتقاد بأنه يستحق الإساءة.
تقديم نموذج دائم من العجز وقلة الحيلة، فيتعلم أن العقبات أكبر من قدرته على مواجهتها.
وعلى الجانب الآخر، تساعد مجموعة أخرى من الخبرات الطفل على بناء احترام صحي لذاته، منها أن توضع أمامه توقعات متوازنة تتحداه من دون أن تسحقه، وأن يعرف ما الذي يجيده، وأن يشعر بأنه محبوب، وأن يعيش وسط بالغين يحترمون أنفسهم، وأن يشعر بالانتماء والأمان، ومن المهم أيضاً ألا يحمّله الكبار مسؤولية مشاعرهم ومشكلاتهم، وأن يعاملوه باحترام، وأن يساعدوه على اكتشاف قدرته على تجاوز العقبات بدلاً من إقناعه بعجزه عنها.
كيف نساعد الآخرين على احترام ذواتهم؟
إذا كان في حياتنا شخص يعاني ضعف احترام الذات، فإن طريقة حديثنا معه قد تكون ذات أثر عميق، وتشير المادة الأصلية إلى دراسات أُجريت على الأطفال قارنت بين الثناء على الإنجاز وحده، وبين تقديم رسائل إيجابية تتعلق بالهوية والقدرات. والفكرة الأساسية هنا أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى سماع: «أحسنت لأنك نجحت»، بل يحتاج أيضاً إلى بناء صورة مستقرة عن نفسه باعتباره شخصاً قادراً على التعلم والمثابرة وتحمل المسؤولية.
لكن من المهم أن يكون هذا التشجيع صادقاً وواقعياً، فلا نمنح الإنسان صفات لا يملكها، ولا نحوله إلى أسير لمديح دائم.
يمكننا، مثلاً، أن نلفت انتباه الطفل أو الشريك أو الصديق إلى صفات حقيقية فيه: اجتهاده، شجاعته، لطفه، قدرته على التعلم، أو طريقته في التعامل مع الصعوبات، حين يرى الإنسان أن شخصاً يثق به يلاحظ جوانبه الإيجابية بصدق، قد يساعده ذلك تدريجياً على إعادة النظر في الصورة التي يحملها عن نفسه.
ماذا نفعل عندما يهتز احترامنا لذواتنا؟
حتى الإنسان الذي يتمتع بعلاقة جيدة مع نفسه قد يمر بأوقات يشعر فيها بالشك أو الانكسار. ففشل تجربة مهنية، أو انتهاء علاقة عاطفية، أو المرور بيوم شديد الصعوبة، يمكن أن يترك أثراً مؤقتاً في نظرتنا إلى أنفسنا، وهنا توجد بعض الخطوات البسيطة التي قد تساعد على استعادة التوازن:
1. امنح نفسك شيئاً تحبه: قد يكون نزهة، أو قراءة كتاب، أو مشاهدة فيلم مفضل، أو قضاء وقت هادئ بعيداً عن الضغوط. الفكرة ليست الهروب من المشكلة، بل منح النفس مساحة لاستعادة طاقتها.
2. اعتنِ بمظهرك: قد يساعد تغيير بسيط في الملابس أو الهيئة أو العناية الشخصية على تحسين المزاج، وإن كان ذلك لا يعالج وحده المشكلات العميقة المرتبطة باحترام الذات.
3. انتبه إلى لغة جسدك: الوقوف باعتدال، والنظر إلى الآخرين بثقة، والتحدث بهدوء، والابتسام الطبيعي، كلها سلوكيات قد تساعد على تحسين شعور الإنسان بنفسه وطريقة تفاعله مع الآخرين.
4. تحمّل مسؤولية كائن آخر إذا كانت ظروفك تسمح بذلك: رعاية حيوان أليف، مثلاً، قد تمنح بعض الناس شعوراً بالمسؤولية والارتباط، شرط أن يكون الإنسان قادراً فعلاً على توفير الرعاية المناسبة له.
5. اقترب من الأشخاص الذين تحبهم: الدعم العاطفي والتواصل الإنساني الدافئ يساعدان على تخفيف التوتر والشعور بالعزلة.
6. استمع إلى تقييم من تثق بهم: يمكنك أن تسأل شخصاً قريباً وصادقاً عن الجوانب الإيجابية التي يراها فيك، وأن تحتفظ بكلماته لتعود إليها عندما تشتد عليك لحظات الشك.
7. استعد زمام المبادرة: اتخذ قراراً كنت تؤجله، أو أنجز خطوة كنت تخشاها، أو واجه موقفاً كنت تتهرب منه. فالقدرة على الفعل تعيد إلى الإنسان شعوره بأنه قادر على التأثير في حياته.
عندما يصبح ضعف احترام الذات مزمناً
أحياناً لا يكون ضعف احترام الذات شعوراً عابراً، بل نمطاً مستمراً تكون على مدى سنوات. وعندئذ يحتاج الإنسان إلى عمل أعمق.
أول خطوة هي الانتباه إلى الرسائل السلبية التي يكررها الإنسان لنفسه، مثل: «أنا غبي»، «أنا غير محبوب»، «لن أنجح»، «لا قيمة لي»، لكن التعامل معها لا يكون باستبدالها بعبارات إيجابية مبالغ فيها لا يصدقها الإنسان، وإنما بمراجعتها بطريقة واقعية. فبدلاً من: «أنا فاشل»، يمكن أن يقول: «لقد أخفقت في بعض الأمور، لكنني نجحت في أمور أخرى ويمكنني التعلم»، وبدلاً من: «لا أحد يحبني»، يمكن أن يسأل نفسه: «هل هذه حقيقة مطلقة، أم أنني أشعر بذلك الآن بسبب تجربة مؤلمة؟».
أما عندما يرتبط ضعف احترام الذات بتجارب قاسية أو إساءة أو صدمات قديمة، أو عندما يؤثر بوضوح في العمل والعلاقات والحياة اليومية، فقد يكون من المفيد اللجوء إلى مختص في الصحة النفسية للمساعدة على فهم جذور المشكلة والتعامل معها.
احترام الذات داخل الجماعة
ولا يقتصر احترام الذات على الفرد وحده، فقد تمتلك الجماعات أيضاً شعوراً جماعياً بالكفاءة والثقة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيزه إعطاء المجموعة تحديات حقيقية يمكنها تجاوزها بالتعاون. وينبغي ألا يكون التحدي سهلاً إلى درجة لا يمنحهم شعوراً بالإنجاز، ولا صعباً إلى درجة تجعل الفشل شبه محتوم، فعندما تواجه المجموعة مشكلة، وتتعاون لحلها، ثم ترى ثمرة جهودها، يتكون لديها إدراك جماعي بأنها قادرة على النجاح وتجاوز الصعوبات.
كن ذاتك
ربما تكون أهم رسالة في مفهوم احترام الذات هي أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تبقى معلقة دائماً على نجاحاته أو إخفاقاته، ولا على مقدار إعجاب الآخرين به، فالإنسان يستطيع أن يسعى إلى التطور، وأن يعترف بأخطائه، وأن يعمل على إصلاح نقاط ضعفه، من دون أن يشن حرباً على نفسه.
احترام الذات لا يعني أن تقول: «أنا الأفضل»، بل أن تقول: «أنا إنسان له قيمة، ولي نقاط قوة ونقاط ضعف، ويمكنني أن أتعلم وأن أتغير من دون أن أفقد احترامي لنفسي»، ومن هذه الأرض تبدأ الشخصية الأكثر اتزاناً: أن تعرف نفسك، وتتقبلها، وتحسنها، من دون أن تجعل محبتك لها رهينة كل نجاح أو إخفاق.







اضافةتعليق
التعليقات