ليس هناك أصعب من موقف أمام الكاتب حينما يجلس أمام صفحة بيضاء يعجز عما يقوله، لا لأنه غير قادر على الكتابة، بل لأنه عجز عن أن يرضي نفسه بالتعبير عما يجول بخاطره. وليس بالضرورة أن يكون سبب الصمت الكتابي هو فقدان الأفكار، فقد يكون الكاتب ممتلئًا بما يريد قوله، تضج برأسه الأسئلة وتوجد الحلول، لكنه عاجز عن الخوض في تجربة كتابية جديدة، حينها يتحول الصمت الكتابي إلى قلق يومي، حتى يجد الكاتب نفسه في حالة من الإرهاق النفسي والاحتراق الإبداعي، تتصارع الأفكار والشخصيات والأحداث، إلا أنه يعجز عن رسم صورة معينة في مخيلته على الورق.
إنها مرحلة ليست سهلة، بل هي مخاض حقيقي قد يشعر الكاتب فيها أنه فقد شغفه أو جفَّ خياله، ولكن خلف كل هذه المسميات حقيقة أكثر تعقيدًا، هي أن الكاتب، ونقصد بالكاتب في جميع الفنون، سواء كان شاعرًا أو روائيًا أو صحفيًا، في اللحظة التي يجد نفسه قادرًا على الإبداع وهو ممتلئ بأفكار كثيرة، يصاب بالجمود ويتوقف عن الإمساك بالقلم، ويرى أنه غير قادر على الوصول إلى ما يعبّر عنه.
هي لحظة يصبح فيها الكاتب شديد القسوة على نفسه، متمردًا، يقرأ ما كتبه سابقًا ويضعه على طاولة المقارنة، فيرى فيه ما لم يعد قادرًا على الوصول إليه، يقارن بما سبق أن أنتجه وما كتبه في الحاضر، مقصيًا نقاط الضعف والقوة، فيتحول الماضي من ذاكرة جميلة إلى سلطة تحاكم ما ينتجه في الحاضر.
ولربما هذا مكمن الخوف الذي قتل الإبداع، ليس بالضرورة أن تكون فكرة صائبة؛ لهذا يخاف بعض الكتّاب من الشروع بعمل جديد بعد نجاحهم: ماذا أريد أن أكتب؟ أي فكرة مناسبة وتأخذ صدى أكبر؟ هل ما كتبته من قبل بمستوى ما كتبته الآن؟
لو أمعنا النظر في بعض الإصدارات بعد العمل الأول، فقد تكون في الأغلب أقوى وأجمل من العمل الأول. وقد يأتي الصمت من جهة أخرى، من واقع الحياة، فالكاتب ضمن منظومة المجتمع يتأثر وينشغل، فثمة تجارب تجعله عاجزًا عن الكتابة، لا لأنها أطفأت موهبته، بل لأن الواقع أكثر قسوة مما يكتبه على الورق، وهناك مواقف وأحزان تحتاج سنوات قبل أن تتحول إلى نصوص، ولا يستطيع الكاتب كتابتها إلا إذا خَفَتَ أثرها.
الأمر الآخر، يجب ألّا ننظر إلى عجز القلم وعزوف الكاتب عن الكتابة على أنه عجز؛ فقد يكون نوعًا من المقاومة، لأن الكاتب، في قرارة نفسه، لا يريد أن يكتب لمجرد أن يثبت أنه ما زال قادرًا على الكتابة وسط هذا الغليان والتطورات في المجتمع، يرفض أن يملأ صفحاته بكلام لا يشبهه، وتصبح الكتابة مجرد حاجة فائضة عن الضرورة اليومية.
الكتابة هدف يريد الكاتب من خلال إيصاله إلى القارئ أن يشعر بأن هناك حاجة ماسة إلى طرح أفكاره على الورق؛ لهذا فالكتابة ليست قرارًا، بل هي ضرورة.
ثم هناك صمت آخر أشد خطورة، أن يفقد الكاتب علاقته بما يكتب حين تتحول الكتابة إلى وظيفة: أكتب لأفوز، أو أكتب بما يرضي المجلة الفلانية، أو أكتب عددًا محددًا من الصفحات عليَّ أن أنجزها، أو الانتظار الدائم للجوائز وحضور اجتماعات معينة، حينها يصبح القلم عاجزًا، ويصبح الكاتب مسيّرًا، لا يبحث عن الجملة، بل يصبح الكاتب يبحث عن سبب الكتابة.
والكتابة ليست أمرًا إداريًا كاملًا، قد تكون كلمة أو موقفًا أو صوت شخص غائب، أو موقفًا عالقًا في الذاكرة، أو أماكن قديمة تحفّز الكاتب على العودة، يخرج حينها من عجز القلم، ويشعر أنه لا يبحث عن فرص، والكتابة تبحث عنه.
إن الصفحة البيضاء ليست دائمًا علامة على عجز القلم وموت الإبداع، غالبًا ما تكون بداية لإبداع آخر، وبداية جديدة لمواجهة عمل أجمل استطاع أن يقول الكاتب فيه بصدق عما في داخله، لا الشيء الذي ينتظر الآخرون منه أن يقوله.
من هنا، على الكاتب أن يتصالح مع ذاته بدلًا من أن يخاف، ويعود إلى الكتابة بشغف حتى ما شعر أن الأفكار آن لها أن تخرج بسلاسة على الصفحات البيضاء، فالكاتب لا يخون نفسه حين يصمت، إنما يخونها حين يكتب بما لا يؤمن به؛ لذا يكون الصمت بعض الأحيان فلسفة ذاتية للدخول بعمل جديد ينمّ عن قناعة كاملة لطرحه أمام القراء، لأن أول بوادر نجاح العمل إيمان الكاتب بما طرحه من أفكار وأعمال، حينما يسأل نفسه: لماذا أكتب ولمن؟
وللتغلب على الصمت الكتابي، مفاجأته بالقراءة الضدية، إذا عجزت عن الكتابة، أعود للقراءة، والانشغال بكتاب جديد تتناسل منه الأفكار، يشعر أن شيئًا في داخله يصبح أكثر إلحاحًا من الصمت للكتابة، فيتغلب على تمرد القلم، وتكون فترة الصمت هي أكثر فترات الوعي وامتلاءً بالأفكار التي تتزاحم إلى صفحات بيضاء لم تُنجز منذ فترة طويلة.








اضافةتعليق
التعليقات