يتكون القلق من أربعة مكونات رئيسية هي: (الحالة الحيوية، الحالة المزاجية، السلوك، والتفكير). وكثيراً ما لا ندرك وجود هذه العناصر الأربعة عندما نشعر بالقلق، لكننا قد نلاحظ -على سبيل المثال- أن أحدهم يقول: "يكاد قلبي يقفز من بين ضلوعي"، أو "أعتقد أن الجميع يسخرون مني".
في الواقع، تؤدي كل هذه العناصر إلى تغذية دائرة الخوف وزيادتها، إذ تشترك معاً في إثارة الشعور بالقلق، وسرعان ما تجد أنه قد سيطر عليك تماماً. ونستعرض فيما يلي تفكيك هذه العناصر لتحديدها في نفسك، وهي الخطوة الأولى نحو هزيمة الخوف.
1. الاستجابة الحيوية: "قلبي يقفز خارج صدري"
شعر "كارلوس" بقلبه ينبض بسرعة بينما كان جالساً في الاجتماع، وكان يحدث نفسه قائلاً: "سوف يحين دوري قريباً لأقول شيئاً.. ماذا لو لم أكن مستعداً؟ ماذا لو لم يكن لدي ما أقوله؟". بدأت دقات قلبه تتسارع وشعر بارتفاع حرارته، فبدأ يتساءل: "هل من المناسب أن أخلع سترتي؟ ماذا لو لاحظ زملائي أنني أعرق؟". كان يشعر بعذاب حقيقي: "يا إلهي، الضغوط تزداد عليّ، لم يعد بيني وبين الوقوف بين زملائي سوى لحظات وسوف يسخر مني الجميع".
إن الشعور بالخوف متواجد في كل زمان ومكان نظراً لقدرته العالية على دفع الإنسان لحماية نفسه؛ إذ يجعل الجسم والعقل يحاولان حمايتك عند مواجهة الخطر. وجميعنا يشعر بالخوف عندما يواجه خطراً، سواء كان خطراً حقيقياً أو خيالياً.
عند الخطر، يفرز الجهاز العصبي هرمون الأدرينالين لتحفيز استجابة "واجه أو اهرب" (Fight or Flight)؛ أي إن استجابة الجسم واحدة سواء قابلت أسداً في الأدغال أو وجدت نفسك في مكان شديد الزحام. وجميعنا يعرف هذا الشعور؛ فهو اندفاع لطاقة متوترة.
ينتج عن تنشيط الجهاز العصبي عدد من الاستجابات الحيوية، منها:
تسارع نبضات القلب لإعادة توجيه الدم إلى الأعضاء الحيوية.
الشعور بسخونة ترتفع إلى الرأس مع احمرار الوجنتين.
الشعور بالبرودة خاصة في اليدين القدمين نتيجة تحول تدفق الدم، مع احتمال ارتجاف اليدين.
تسارع التنفس أو الشعور بعدم القدرة على أخذ نفس كامل، مع جفاف الحلق والدوار.
تنشيط الغدد العرقية وبداية التعرق.
وفي النهاية، تتوقف هذه الاستجابة عن طريق تفكيك هرمون الأدرينالين؛ إما بوساطة هرمونات أخرى في الجسم، أو بتدخل الجهاز العصبي "الباراسمبثاوي" الذي يعمل على تثبيط تأثير الجهاز العصبي "السمبثاوي"، وهو ما يعيد إليك الشعور بالاسترخاء. لذلك، وعلى الرغم من أن الشعور بالخوف سيكون موتراً لبعض الوقت، إلا أنه سيتوقف حتماً؛ فمن المستحيل أن تظل متوتراً إلى الأبد. وفي الواقع، فإن معظم مشاعر القلق تكمن أو تختفي سريعاً، وهي نقطة جوهرية عليك تذكرها دائماً.
2. الاستجابة الفكرية: "لن أستطيع مواجهة هؤلاء الأشخاص مرة أخرى"
إلى جانب العنصر الحيوي، هناك عنصر فكري ومعرفي يتجلى في الأفكار المقلقة التي تتسارع إلى ذهنك متأثرة بالحالة الحيوية، مثل: "كيف يمكنني الخروج من هذا الموقف قبل أن يُطلب مني قول شيء وأشعر بالإحراج؟ إن الأمر قاسٍ؛ سيقيم الجميع أدائي بشكل سلبي، وأعرض نفسي للاستهزاء وسأبدو أحمق".
أحياناً يسبق التفكير الاستجابة الحيوية، وأحياناً يستجيب الجسم أولاً ثم يتبعه التفكير. وهذا يعني أن التفكير قد يتسبب في إفراز الأدرينالين، أو قد ينشأ التفكير نتيجة ملاحظتك لتسارع نبضات قلبك. كما قد تلاحظ صعوبة في التركيز وتذكر الأشياء؛ فمن الصعب تذكر التفاصيل أو الانتباه لما تقرؤه أو تستمع إليه أثناء العصبيّة.
درس أخصائي الطب النفسي المعرفي د. "آرون بيك" (Aaron Beck) -والذي يُعرف لدى الكثيرين بـ "أبي الطب النفسي المعرفي"- نوع التفكير المصاحب للشعور بالقلق وكتب عنه كثيراً. وأوضحت الأبحاث أنه عندما يواجه الناس الخوف من التحدث أمام الجمهور، يظهرون نمطاً فكرياً متأثراً بحالتهم المزاجية السلبية، فيصبح التفكير أقل عقلانية وأكثر عاطفية. وتبدأ دائرة من الاستجابات بسبب أفكار تحث على القلق (مثل: "ماذا لو قلت شيئاً أحمق؟")، وبمجرد أن يبدأ القلق، تزداد الأفكار عاطفية وتقل منطقيتها (مثل: "سيكون ذلك كارثة").
أبرز الأخطاء المعرفية الشائعة عند التحدث أمام الجمهور
تفكير الأبيض أو الأسود (الكل أو لا شيء): لرؤية الخطاب إما رائعاً جداً أو سيئاً للغاية دون وجود منطقة وسطى (مثل: "تسارع نبضات قلبي يعني أن الأمر مرعب").
التنبؤ بالمستقبل: افتراض معرفة الغيب والجزم بوقوع الكارثة (مثل: "سيفقد الجميع احترامهم لي ولن أتقدم في وظيفتي").
التهويل والتكثيف الكارثي: المبالغة الشديدة في العواقب السلبية (مثل: "إما أن ينام الحضور أو ينفجروا ضاحكين، ولن يتحدث معي أحد بعد اليوم").
التفكير العاطفي: اعتماد المشاعر كحقائق بدلاً من المنطق (مثل: "بما أنني أشعر بالتوتر وألم المعدة، فسوف أتحدث بشكل سيئ حتماً").
التقليل من قدرة المواجهة: نسيان خبراتك السابقة في تجاوز الصعاب (مثل: "إذا نسيت هذه النقطة، فمن المستحيل أن أصلح الأمر").
الرؤية النفقية: التركيز على جانب سلبي واحد وتجاهل كل الإيجابيات (مثل: "هذا الرجل يحدق بي، حتماً أبدو أحمق"، مع تجاهل الابتسامات وإيماءات الإعجاب من بقية الحضور).
المغالاة في الاحتمالات الكارثية: افتراض وقوع أسوأ سيناريو ممكن وتجاهل الواقع العملي.
تسهم هذه الأفكار في تغذية الشعور بالقلق وتقويته. وعندما تقع في موقف قلق، فإنك غالباً ما تفسره على أنه أكثر خطورة مما هو عليه في الواقع، ولهذا السبب تُسمى الأفكار الناتجة عن القلق "أخطاء معرفية".
3. الاستجابة السلوكية: "أخرجوني من هنا!"
للقلق مكونات سلوكية واضحة؛ إذ تعد الرغبة في الفرار من الموقف أمراً شائعاً جداً. وإلى جانب استجابة "واجه أو اهرب"، قد يحدث أحياناً رد فعل آخر وهو "التجمد" (Freezing)؛ فيبدو العقل خالياً من أي تفكير ويتشوش الجسد.
ومن الاستجابات السلوكية الشائعة عند الخوف من التحدث أمام الجمهور:
التجنب والهروب: وهو أكثر الاستجابات شيوعاً، إما بتجنب المواقف المخيفة أو الخروج منها بأسرع ما يمكن. وأحياناً نلجأ للدفاع والعدوانية أو الاندفاع، لكن السلوك الأغلب هو اختلاق الأعذار للتهرب من الحديث (مثل: "أود ذلك، لكنني مرتبط بأمر آخر" أو "سأكون خارج المدينة").
اختصار الكلمة والإسراع: إذا تعذر التجنب، يحاول الشخص إنهاء الأمر بأسرع ما يمكن، إما بالإسراع في الحديث أو الإجابة بأقل عدد ممكن من الكلمات (كالإجابة بـ "لا" فقط بدلاً من شرح الموقف).
سلوكيات التوتر: هي حركات اللاإرادية تظهر عند عدم الراحة، مثل اللعب بالنقود في الجيب، العبث بالقلم، تشبيك اليدين قوة، لمس الشعر باستمرار، أو التحرك المضطرب.
سلوكيات إخفاء القلق: وهي المتهم الرئيسي في استمرار القلق؛ حيث نلجأ إليها للسيطرة على الخوف أو إخفاء أعراضه عن الآخرين (مثل إخفاء اليدين لمنع ظهور الرعشة، أو المبالغة الشديدة في الحفظ والتدريب).
في الحقيقة، تزيد سلوكيات الإخفاء هذه من الشعور باليأس؛ لأننا نتوهم أننا لن نتمكن من المواجهة بدونها. بينما كشفت الأبحاث الحديثة أن هذه السلوكيات هي المسؤولة عن استمرار القلق وتؤثر سلباً على الأداء؛ فحفظ النص عن ظهر قلب يجعلك تبدو جامداً، والمراجعة الذهنية المبالغ فيها تؤخر استجابتك وتجعل حديثك أشبه بالوعظ الجاف.
4. استجابة الحالة المزاجية: "هل سيتحسن هذا الشعور؟"
المكون الرابع للقلق هو حالتك المزاجية؛ حيث تكون مدركاً لمشاعر التوتر، القلق، الخوف، الفزع، والتوجس عند مواجهة الجمهور. ومع تكرار تجنب هذه المواقف، تبدأ مشاعر أخرى بالظهور نتيجة التأثير السلبي على حياتك المهنية أو الاجتماعية، مما يؤدي إلى الإحباط، اليأس، والشعور بالرفض.
يصف أحد العملاء شعوره بعد عودته من اجتماع مع كبار المديرين قائلاً إنه كان محبطاً وحزيناً للغاية؛ لأنه شعر بالقلق الشديد وافترض أن الاجتماع لم يسر بشكل جيد، مما جعله يشعر باليأس تجاه مستقبله المهني.
بالطبع لا أحد يرغب في المرور بهذه المشاعر السلبية المزعجة، لكن عندما تتعلم كيف تغير أساليب تفكيرك، وسلوكياتك، والاستجابات المرتبطة بالتحدث أمام الناس -ومع الممارسة والصقل- ستتلاشى هذه المشاعر التدريجية، وستكون قادراً على إعادة شحن طاقتك وتحفيز نفسك للتحول إلى خطيب مفوه؛ وكما تُقال المقولة الشهيرة: "إن أحد أفضل أسرار الحياة هو كيفية تحويل اليأس إلى نجاح".








اضافةتعليق
التعليقات