يروى موقف يُنسب إلى الزعيم الهندي "غاندي"، أنه أثناء مكوثه في السجن، كان أحد السجانين يؤذي النزلاء بطرق متعددة، كطلبه منهم القيام ببعض الحركات المضحكة مقابل تسليمهم الطعام، كان الكثير يرفض ذلك بشدة، فالأمر اهانة لهم ولكرامتهم، لكن غاندي كان يستجيب لذلك ببساطة، وحين استغرب البعض منه قبوله، أجابهم بمعنى قريب: هذا الرجل ليس عدوي، فعدوي أكبر منه..
في هذه القصة، عدة معانٍ تلفت أنظارنا إلى تجارب حياتية كثيرة، فكم من حجرٍ نتعثر به ويوقفنا عن المضي في الطريق؟
كم استهلك من تفكيرنا وطاقتنا ووقتنا على حساب ماهو أبعد بكثير من هذا الحجر؟
في حين أن السؤال الأهم يجب أن تتمحور إجابته حول عدة مفاهيم منها مفهومين مهمين:
1_ التجاهل مع طيب النفس.
2_ الاستثمار والبناء.
ونستذكر في هذين النقطتين شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وحفيده الامام الصادق (عليه السلام)، فهذه الأنوار القدسية خير من يطبق كل مبدأ سامٍ وخُلقٍ عظيم.
إدارة الانتباه أمام صغائر الأمور
تعرّض رسول الرحمة والانسانية من أول يوم لدعوته إلى آخر يوم من عمره الشريف، إلى الكثير من الاساءات، ففي مواقف كثيرة كان الناس ترمي عليه الحجارة روحي فداه وكانت تقول فيه مايؤلم، فماذا كان جواب نبيّنا عليهم؟
"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"..
في هذه الجملة العظيمة، لا يتسامح النبي فقط مع اساءات القوم بل ويبرر أفعالهم المشينة بسبب أبو الكثير من الشرور في هذا العالم ألا وهو الجهل..
كان الرسول يرى بوعي ورحمة إلى ماوراء أفعال بعض البشر، فلم يسمح لبعض الجهلة بأن تسرق منه انتباهه عن قضيته الكبيرة.
وبالطبع، ليس المقصود أن نقبل بالظلم أو السكوت عنه، بل باستخدام عقلنا الذي يضع كل خطأ في حجمه الحقيقي، وفي مواقف أخرى لم يقبل النبي بتصرفات بعض القوم، بل كان يغضب ويرد عليهم، لماذا؟
لأن بعض الظلم لا يكون شخصيا، بل يمس القضية والطريق، وهنا تختلف ردة الفعل بكل تأكيد، فلقد وقف أبا الزهراء بوجه كل من حمل العصبية في سلوكه، ودعا على من يؤذون بضعته وريحانته، لأن العصبية مرض يتفشى إن لم يتوقف، ولأن أهل بيته نهج إلهي وليس فقط أفراد من عائلته.
فن النأي عن بعض المعارك
أجمل من علمّنا ثقافة الاهتمام بكبائر المواقف أمام أردئها هو موقف الامام الصادق (عليه السلام) وذلك في مرحلة انتقال السلطة من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية، ففي تلك الأيام التي ساد فيها الاضطرابات والفتن، وفي حين كان الظالم منشغل بالظالم، استثمر الامام هذا الوضع بتركيزه على مشروعه الأكبر ألا وهو بناء الانسان.
فأسس الامام حركة علمية واسعة ومتشعبة واجتمع حول حلقاته المعرفية عددا كبيرا من الطلاب وأصبح الكثير منهم أعلاماً في علومٍ شتى، وأسس مدرسة خالدة إلى يومنا هذا بينما اندثر من صارع وصرع في معركة السلطة.
بلا شك، لم يكن المعنى العام هو أن سيرة الأئمة تقول بأن لا نأبه ولا نعي بالواقع السياسي، بل باستخدام الحكمة والذكاء للتمييز بين المعركة التي تستحق الدخول وبين الاتجاه إلى ماهو أكبر وأبقى أثرا.
متى تتوقف؟
عندما يعترض طريقك صخرة وليست مجرد حجر، وعندما تتأكد أنّ العداوة ليست فقط شخصية بل عن شرٍ يمتد لغيرك ومدبّرة وستستمر إن لم تضع لها حداً وأيضاً حين سيطغى صاحبها أكثر، وحين تنتهي فرص محاولات فهم الطرف الآخر، وعندما يكون الموقف مهيناً فعلاً، فللانسان حرمة ولا يقبل الله بانتهاكها، وحين يكون التجريح عميقاً وليس كلمة عابرة، وفي النهاية كرامتك لا يحددها سلوك الآخرين، فنبي الرحمة سيد البشر رغم أنف كل من أساء له، وصادق العترة خليفة الله الحقيقي في أرضه وإن لم يخرج طالبا بحقه، وسيأتي اليوم الذي يخرج فيه مهدي آل محمد لنكمل معه الطريق وتجاوز الحجر..








اضافةتعليق
التعليقات