في السابع من صفر، تتوشحُ القلوبُ بالسوادِ وتستحضرُ الأرواحُ مأساةً هزت أركانَ الحق ذكرى استشهاد ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).
إنَّ هذا اليوم ليس مجرد محطةٍ زمنيةٍ عابرة، بل هو مراجعةٌ كبرى لمسارِ الأمةِ في مواجهةِ الفتن، وقفةٌ عند كبدٍ تقطعت بسمِّ الغدر، لا لضعفٍ في صاحبها، بل لكونه أرادَ الحفاظَ على بيضةِ الإسلامِ حين تكالبت عليه السيوفُ المأجورةُ والمؤامراتُ الخفية.
لقد كان الإمام الحسن (عليه السلام) مدرسةً في الحكمةِ البالغة. وإنَّ صلحهُ التاريخي لم يكن انكساراً، بل كان انعطافةً استراتيجية لحمايةِ الرسالةِ من الضياع، حيث أدرك بعينِ بصيرته أنَّ البقاءَ للأمةِ أولى من الشهادةِ التي قد يتبعها استئصالٌ للجذورِ المؤمنة.
لقد قُدِّرَ له أن يعيشَ مرارةَ الخذلانِ من القريب، وقسوةَ المكرِ من البعيد، لكنه ظلَّ شامخاً، يغرفُ من معينِ جدِّه المصطفى وأبيه المرتضى، محولاً معاناته إلى إرثٍ أخلاقيٍ خالدٍ يتجاوز حدودَ الزمان.
رسالةٌ إلى شبابنا: نحو وعيٍ حسنيٍّ مُبصر
إنَّ استذكارَ هذه الفاجعةِ يفرضُ علينا اليوم، ولاسيما الشباب، مسؤوليةً مضاعفة.
إنَّ إحياءَ ذكرى المجتبى (عليه السلام) ليس في إقامةِ الشعائر فحسب، بل في تبني منهجه كبوصلةٍ للحياة. ولأجلِ ذلك نضعُ هذه التوصياتِ بين أيديكم:
١-تنميةُ البصيرةِ السياسية والاجتماعية:
لا تنجرفوا خلف العواطفِ المتأججةِ دون فهمِ السياق تعلموا من الإمام الحسن (عليه السلام) كيف تكونُ المواقفُ مبنيةً على المصلحةِ العليا للدين والمجتمع، وليس على ردودِ الفعلِ العاطفيةِ الضيقة.
٢-ثقافةُ الصبر الاستراتيجي: في عالمٍ يتسارع نحو الاستهلاكِ والنتائجِ الآنية، تعلموا منه كيف يكونُ الصمتُ أحياناً قوةً، وكيف يكونُ التمهلُ حكمةً، وكيف نصبرُ على جراحاتِ الطريقِ من أجلِ أهدافٍ نبيلةٍ وبعيدةِ المدى.
٣-تعزيزُ الأخلاقِ العملية: كان الإمامُ كريماً في أخلاقهِ كما كان في عطائهِ المادي. ليكن شعاركم الرفقُ بالناس امتصوا غضبَ المحيطين بكم بحلمكم، وكونوا قدوةً في التسامحِ والترفعِ عن الصغائر، فهذا هو السلاحُ الذي به تُفتحُ القلوبُ وتُبنى المجتمعات.
٤-الوعيُ بأساليبِ التضليل: لقد عانى الإمامُ الحسنُ من حروبِ "الإشاعة" التي تفتعلها السلطاتُ الظالمة كونوا واعين إزاء ما يُبثُّ من أفكارٍ وشبهات، واعتمدوا على البحثِ والتحليلِ للوصولِ إلى الحقيقة، فالمؤمنُ لا يُلدغُ من جحرٍ مرتين.
إنَّ دماءَ الإمامِ الحسنِ (عليه السلام) التي سُكبت على ترابِ المدينةِ هي أمانةٌ في أعماقنا كونوا حسنِيّي السلوك في الجامعات، في العمل، وفي ساحاتِ المجتمع. اجعلوا من ذكراه وقوداً للعملِ الجاد، وميزاناً للحق، ومنارةً تهديكم في ليلِ الفتن، لتبقى ذكراهُ حيةً لا في الذاكرةِ فحسب، بل في واقعنا الذي نصنعهُ بأيدينا وعقولنا.








اضافةتعليق
التعليقات