في الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام، تقفُ الأمةُ وقفة إجلالٍ وخشوعٍ أمام ذكرى رحيلِ مدرسة الصبرِ ومُعلم البشرية دروس العزة في أحلكِ الظروف؛ الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام). إن استشهاد هذا الإمام الهمام لا يُمثل مجرد رحيل شخصية تاريخية، بل هو اختتامٌ لمسيرةِ جهادٍ من نوعٍ خاص، جهادٍ صاغه الإمامُ بدموعه، ودعائه، وثباته الأسطوري، ليحولَ القيدَ في معصميه إلى وسامِ شرفٍ يُزين جبين التاريخ.
لقد عاش الإمام زين العابدين (عليه السلام) في مرحلةٍ كانت تُعد من أقسى المراحل التي واجهت الرسالة المحمدية. فبعد فاجعة الطف في كربلاء، حيث استُؤصلت شجرة النبوة، وواجهت العقيلة زينب (عليها السلام) ومن بقي من آل البيت (عليهم السلام) طغيان الأمويين، كان الإمام السجاد هو اليد الحانية والعقل المدبر الذي حمل شعلة النهضة الحسينية من ساحة القتال إلى ساحة الفكر والوعي. لم يكن "السجاد" مجرد عابدٍ في محرابه، بل كان "سيد الأسياد" وهو في أصفادِ الأسر، يواجه السلطة الغاشمة بقوةِ المنطق، وعنفوان الحقيقة.
لقد أدرك الإمام (عليه السلام) أنَّ دماء شهداء كربلاء لن تُثمر إلا إذا فُككت الأكاذيب التي أحاطت بها السلطة، فكانت خطبته في مسجد دمشق زلزالاً هزَّ أركان حكم يزيد، حيث عرَّفَ نفسه وجده رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكلماتٍ حفرت في الوجدان الإسلامي معنى الولاء للحق. ومن ثم، اتخذ الإمامُ مساراً استراتيجياً طويل الأمد، متمثلاً في "الصحيفة السجادية"، التي لم تكن مجرد أدعيةٍ بل دستوراً تربوياً وأخلاقياً يفيضُ بالقيم الإنسانية والروحية. لقد استطاع (عليه السلام) من خلال دعائه أن يربي جيلاً من الأحرار، مُعززاً في نفوسهم العزة والارتباط بالله تعالى في مواجهةِ زيف الدنيا.
إن سرَّ وجوده (عليه السلام) يكمن في ذلك المزيج العجيب بين الضعف الجسدي -الذي نتج عن آثار المرض في كربلاء- والقوة الروحية الجبارة التي لم تنكسر. لقد كان تجسيداً للصبرِ الإلهي، ومُعلماً للصمود في زمن الغربة. وبشهادته، ترك لنا الإمامُ نهجاً يُعلمنا كيف نكون أعزاء في قيدنا، وأقوياء في مواجهةِ ظلم الطغاة، وكيف نُحول المآسي إلى منطلقاتٍ للبناء والنهضة.
اليوم، ونحن نستحضر هذه الذكرى الأليمة، نستلهم من "سيد الساجدين" كيف تُصانُ المبادئ، وكيف يُحفظُ الحقُّ بكلمةِ الحقِ حتى لو كانت في حضرةِ السيف. سلامٌ على السجادِ الذي بكت عيناه حزناً على الحسين، وبنى بدموعهِ حصناً منيعاً للدينِ، وسلامٌ على روحهِ الطاهرة التي ما زالت تُنير دربَ السائرين نحو العدالةِ والحرية.








اضافةتعليق
التعليقات