في السابع من صفر، يغوصُ الوجدانُ في بحرٍ من الحزنِ العميق، مستذكراً ذكرى شهادةِ سبطِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، وريحانتهِ من الدنيا، الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).
إنَّ هذا اليوم ليس مجرد تاريخٍ في التقويم، بل هو جرحٌ يتجددُ في ذاكرةِ الأمة، حينما طالَ سُمُّ الغدرِ كبداً كان موئلاً للرحمةِ والحلمِ والكرم.
لقد كانت حياةُ الإمام الحسن (عليه السلام) مدرسةً في الصبرِ والتعالي على الجراح.
لم يكن استشهادهُ حدثاً معزولاً عن سياقِ تضحياته العظيمة؛ فلقد خاضَ عام الجماعة صلحاً مدروساً، لا ضعفاً، بل حقناً لدماء المسلمين، وكشفاً لزيفِ الأقنعةِ التي كان يرتديها خصومه، لقد آثرَ الإمامُ سلامةَ الدينِ والأمةِ على بريقِ السلطةِ الزائف، متمثلاً في ذلك خُلقَ جدهِ المصطفى وأبيهِ المرتضى (عليهما السلام).
حينما سُقِيَ الإمامُ الحسنُ السُمَّ، لم تكن تلك القطراتُ القاتلةُ تستهدفُ شخصه الكريم فحسب، بل كانت تستهدفُ المنطقَ الذي يمثله منطقُ الحكمةِ في مقابلِ التهور، والرفقِ في مقابلِ العنف.
وحينما أخذَ يلفظُ كبده المقطعةَ في الطشتِ كان ذلك المشهدُ الأليمُ يجسدُ ذروةَ المأساةِ الإنسانيةِ لشخصٍ وهبَ حياته ليوحدَ الصفوفَ ويحفظَ الرسالة.
إنَّ استشهادهُ (عليه السلام) هو شاهدٌ حيٌّ على أنَّ الحقَّ قد يدفعُ ثمناً باهظاً أمام طغيانِ الباطل، لكنه يبقى خالداً في وجدانِ الأحرار.
إنَّ استحضارَ هذه الذكرى لا ينبغي أن يقفَ عند حدودِ الرثاء والبكاء فحسب، بل يجب أن يتحولَ إلى محطةٍ سنويةٍ لمراجعةِ الذاتِ وتعميقِ الوعي. إنَّ استشهاد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بوعيٍ يقتضي منا أن نتجاوزَ السطحية في الطرح، لنغوصَ في أعماقِ الأسبابِ التي قادت إلى ذلك المصير الأليم، وكيف تكاتفت خياناتُ القريبِ ومكرُ البعيدِ لإضعافِ جبهةِ الحق.
إنَّ إحياءَ ذكراه (عليه السلام) يعني أن نستلهمَ منه دروسَ الصلحِ المبدئي فندركَ متى نقدِمُ ومتى نكفُّ، ومتى تكونُ التضحيةُ بالمصالحِ الشخصيةِ سبباً لإنقاذِ جوهرِ الدين.
علينا أن نجعلَ من هذه المناسبةِ مدرسةً تربويةً للأجيال، تُعلمنا كيف نواجهُ التحدياتِ بصلابةٍ أخلاقية، وكيف لا تنطلي علينا حيلُ الطغاةِ الذين يرفعون شعاراتِ الإصلاحِ بينما يضمرون الفساد.
إنَّ الوعيَ في استذكارِ استشهاد الإمام المجتبى يعني أن نكونَ مشاريعَ إصلاحٍ حقيقية في مجتمعاتنا، متسلحين بصفاته: في كرمه الذي يغني الروح، وفي حلمه الذي يمتصُ غضبَ الجاهلين، وفي بصيرته التي قرأت مآلاتِ الأمورِ قبل وقوعها. لنحوّل الحزنَ إلى طاقةٍ للتغيير، ولتكن دماءُ شهادتهِ (عليه السلام) سراجاً يُنيرُ لنا دروبَ الحقِّ في زمنِ التيهِ والفتن، حتى نكونَ حقاً أتباعَ نهجهِ الذي لم يبتغِ به إلا وجه الله وصلاح الأمة.








اضافةتعليق
التعليقات