يثير بعضهم شبهة مفادها: كيف نفهم ظاهرة الحزن في أيام عاشوراء، مع أن من صفات المؤمن ألا يحزن على ما فات ومضى؛ إذ لا رجعة للزمان، والحسرة لا تغيّر الواقع ولا تجدي نفعًا؟
ويطرح هذا الرأي بقصد الصدّ عن إحياء واقعة الطف، بزعم أن الحزن عليها يخالف نصوص القرآن الكريم والروايات، وأنه لا ينبغي للمؤمنين أن يحزنوا أو يبكوا على حادثة مضى عليها مئات السنين، وأن إقامة المآتم وإظهار الأسى لا يغيّر من الواقع شيئًا.
والجواب: صحيح أنه لا ينبغي للإنسان أن يأسى على ما فاته من أمور الدنيا، كما لا ينبغي له أن يغتر بما أُوتي منها، وهذا ما حثّ الله تعالى عليه في قوله عز وجل: *﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾* (الحديد: 23).
غير أن هذا التوجيه الإلهي يتعلق بالأمور المادية التي أُعيرت للإنسان، وجُعلت تحت تصرفه إلى أجلٍ مسمّى، ثم لا بد أن تزول عنه عاجلًا أو آجلًا، فلا ينبغي أن يعلّق قلبه بها.
أما الأمور المعنوية، والسعي إلى أعلى درجات الكمال، فهي الغاية الأساس من خلق الإنسان، وقد حثّت التعاليم الإسلامية على طلبها والمحافظة عليها، وعدّت التفريط فيها خسارة تستوجب الندم والحسرة، لأن هذا الندم يدفع الإنسان إلى تدارك ما فاته والسعي إلى الكمال. ومن هنا فإن الحزن على فوات هذه الأمور ليس مذمومًا، بل هو باعث على الخير والرقي.
ولا يخفى أن ما يُقام من مجالس العزاء في يوم عاشوراء هو في حقيقته اقتداءٌ بجهاد الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، ومحاولةٌ للسير على نهجه في مختلف جوانب الحياة. فعندما نستذكر مواقف الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه في واقعة الطف، وما بذلوه من تضحيات للحفاظ على الدين الإسلامي، فإننا نسعى إلى الاقتداء بهم في الدفاع عن العقيدة والقيم والمبادئ.
إضافةً إلى ذلك، فإن الحزن المشروع أمر مطلوب ومستحسن؛ فالإنسان الذي لا يتألم لفقد أحبته يعاني خللًا في مشاعره؛ لأن الحزن على فقد الأعزة أمر فطري. وهل يوجد على وجه الأرض أعزّ من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة؟ إن فقدهم يعني فقدان أعظم مصادر الخير والبركة والهداية، فكيف يُقال بعد ذلك إن الحزن والبكاء عليهم لا جدوى منه؟
وقد ورد في الروايات أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان يبكي ويحزن على مصاب الإمام الحسين (عليه السلام) قبل وقوع الفاجعة بسنوات، وكان يؤكد إحياء هذه الذكرى بالحزن والأسى. كما رُوي أن الإمام الكاظم (عليه السلام) كانت تبدو عليه آثار الحزن عند دخول شهر محرم الحرام (1).
ولا بد من الإشارة إلى أن الحزن قد يكون أمرًا باطنيًا لا تظهر آثاره على الإنسان، إلا أن الأمر يختلف في مصاب سيد الشهداء (عليه السلام)، إذ يُستحب إظهار الحزن في الظاهر كما في الباطن؛ لما لذلك من أثر في ترسيخ مبادئ النهضة الحسينية، والدعوة إلى الدفاع عن الدين، وصيانة الكرامة، واسترجاع الحقوق، والسير على هدي مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام).
وعليه، فإن الحزن على ما فات ليس مذمومًا على إطلاقه، وإنما المذموم هو الحسرة على متاع الدنيا، أما الحزن على القيم والمبادئ والمصائب العظيمة التي أصابت أهل الحق، فهو حزن محمود، يقود إلى الرقي والكمال، ولا سيما العزاء على سيد الشهداء (عليه السلام)، لما له من منزلة عظيمة عند الله تعالى.
ولتقريب الفكرة، نضرب مثالًا: فقد يرى الإنسان فقيرًا فلا يتحرك وجدانه، بينما يرى مشهدًا آخر مشابهًا فيتأثر ويحزن، فيدفعه هذا الشعور إلى مساعدته. فالحزن هنا أصبح دافعًا للعمل الصالح.
وكثيرًا ما نسمع عن مظالم يتعرض لها الناس، فلا تترك في نفوسنا أثرًا كبيرًا، لكن عندما نستحضر ما جرى على الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته من ظلم واضطهاد، وما ارتكبه أعداؤهم من جرائم بشعة، فإن ذلك يوقظ فينا روح البراءة من الظالمين، ويغرس في نفوسنا كراهية الظلم ورفضه.
ومن هنا، فإن مدرسة عاشوراء تحيي في القلوب روح مقاومة الظلم، فلا نرضاه لأنفسنا ولا لغيرنا، كما تدفعنا إلى نصرة الحق والوقوف إلى جانب المظلوم.
ومن الطبيعي أن نحزن على من ضحّى بنفسه لإنقاذ المجتمع وهدايته، ثم تعرّض للقتل والسلب والتنكيل على يد الظالمين، رغم ما قدّمه من إحسان للبشرية. وهذا الحزن يقود الإنسان إلى العمل الصالح والابتعاد عن الأعمال الفاسدة.
وقد أشار القرآن الكريم إلى حزن النبي يعقوب (عليه السلام) على فراق ابنه يوسف بقوله تعالى: *﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾* (يوسف: 84)، فكان هذا الحزن موضع ثناء، لأنه يعكس عاطفة الأبوة الفطرية التي تقوم عليها الأسرة ويستقيم بها المجتمع.
ومما يؤسف له أن كثيرًا من المجتمعات المعاصرة أهملت هذه القيم، مما أسهم في تفكك الأسرة وضعف الروابط الإنسانية. ولو أُعطيت العاطفة الأسرية حقها، واقتُدي بالنماذج التي عرضها القرآن الكريم، لأمكن الحد من كثير من مظاهر التفكك والفساد.
المصادر:








اضافةتعليق
التعليقات