إن هوية الذات هي الصورة الذهنية التي يحملها الإنسان عن نفسه، وإحساسه بذاته، وللهوية الأثر الكبير في تحديد فكر الإنسان وقيمه وسلوكه، ونظراً لقوة تصورك الشخصي لذاتك فإنك دائماً ما تؤدي سلوكاً خارجياً يتفق مع صورتك لذاتك داخليا، لذلك جاءت الأحاديث الشريفة لترسيخ الهوية الإيجابية وربطت كثيراً من أعمال الإنسان بها فمن ذلك قوله (صلى الله عليه وآله): (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)1 وفي نص آخر: (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه)2.
ويرسخ النبي (صلى الله عليه وآله) الهوية الإيجابية عند النفس المؤمنة من خلال ما يصدر عنها من أفعال ينبغي أن تطابق ما دلت عليه الهوية التي يحملها المؤمن قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، ويذهب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ترسيخ الهوية الإيجابية في أدنى درجاتها وذلك بتحريض أتباعه من المسلمين بأن يكف الواحد منهم شره عن الناس السلوك السلبي إذا لم يكن قادراً على عمل الخير لنفسه أو لغيره (السلوك الإيجابي) فعن أبي ذر (قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيله، قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك)3، فجعل النبي (صلى الله عليه وآله) الكف عن السلوك السلبي في حال عدم القدرة على السلوك الإيجابي من أفضل الأعمال.
كما أن التفاؤل من عوامل التقدم والنجاح في الحياة والتفاؤل يجعل تأثير قوة الفرد تتضاعف عدة مرات أكثر من تأثيرها الطبيعي، وكان هذا منهجه (صلى الله عليه وآله) في فتح أبواب الأمل والتفاؤل لأمته من بعده، والواقع إننا نعيش في عصر يزداد سلبية ومشحون بانفصام الصلات الاجتماعية وتفسخ الإيمان، وشيء من التفاؤل يساعد على مكافحة الحزن الذي يخيم على حياتنا، ويمنحنا الشجاعة والطاقة اللازمة للتغلب على الأزمات وكون المرء إيجابياً يعتبر أمراً اختيارياً، فنختار النظر إلى الأشياء بطريقة إيجابية، وكذلك نختار التركيز على العناصر الإيجابية في موقف ما، وعلاوة على ذلك نستطيع البحث عن الفوائد والمزايا للتفئل فهو يجعلنا نشعر بدنياً بحال أفضل فالمتفائلون يعيشون بصحة أفضل من سواهم، لأن أجهزة المناعة لديهم تعمل بشكل أفضل لحمايتهم.
علاوةً على ذلك يُعد الإيحاء الذاتي أو الحديث الذاتي هو ما يقوله الإنسان أو يؤكده لنفسه عندما ينفعل مع أدائه نفسه، أو يتفاعل مع تقييمه الذاتي، وما يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال هو في الحقيقة ترجمة لما في ذهنه من قناعات وأفكار عن ذاته وعمن حوله وعن الحياة عموماً، وتتشكل تلك القناعات والأفكار جراء ما يتعرض له عقل الإنسان من مصادر التشكيل الداخلي والخارجي، فالتشكيل الخارجي مصادره متعددة: الأهل والأصدقاء والمدرسة ووسائل الإعلام، ولكن أشد تلك المصادر أهمية هو المصدر الداخلي لأنه يحدث ذاتياً وربما من غير أن يشعر به الإنسان، وتكمن خطورته في كونه ملازماً للإنسان طوال الوقت، ولا يستطيع الإنسان الهروب منه كما قد يفعل مع المصادر الخارجية، ولأنه قد يصل بالإنسان إلى مرحلة للفكرة وتقبلها مطلق وغير قابل فيما رآه واقتنع به سواء عن نفسه أو عن غيره التعود فيقوم بترديد تلك الأفكار حتى تصبح جزءاً من أفكاره وقناعاته، وتكرار الإنسان دون للشك أو عن تمحيص دقيق ينتج لديه تصديق الحياة.
ولذلك أرشد النبي (صلى الله عليه وآله) أتباعه إلى تعويد أنفسهم للحديث الإيجابي عن الذات، وتنفيرهم من الحديث السلبي الذي يبرمج حياة الإنسان، لأن الكلمة الإيجابية من أقوى الأساليب التي يرشدنا إليها النبي الكريم (صلى الله عليه وآله الأطهار) هي تخلية النفس وتعويدها النفور من الألفاظ والمعاني القبيحة فقد دلت الدراسات أن ( ۸۰٪) مما نقوله لأنفسنا يكون سلبياً ويعمل ضد مصلحتنا، فمن الممكن للبرمجة الذاتية، والتحدث مع النفس أن تجعل منك إنساناً سعيداً ناجحاً يحقق أحلامه، أو تعيساً وحيداً يائساً من الحياة.
وانظر معي إلى هذا الحديث النبوي الذي يعود المسلم على التنفير من مجموعة ألفاظ سلبية اللفظ والمعنى، وكل واحد منها مهلك للإنسان لوحده فكيف لو اجتمعت عليه كلها، فاللغة التي تتحدث بها لا تعكس سلوكك فقط، ولكنها أيضاً تؤثر عليه؛ لذا عليك اختيار كلمات وعبارات مفعمة بالحيوية والإيجابية، لكي تنجح في حياتك الإيجابية، وعليك بفحص الكلمات التي تستخدمها وتغيرها إن لزم الأمر بحيث تعكس الإيجابية والتوجه البناء الذي تنشده وحديث الذات السلبي يقودك إلى الفشل، ويبدد احترامك لذاتك، وثقتك بنفسك، فيستنزف طاقاتك الجسدية والذهنية.








اضافةتعليق
التعليقات