يقدّم كتاب «من حياة الإمام العسكري عليه السلام»، لآية الله السيد محمد الحسيني الشيرازي، صورة شاملة وموجزة عن سيرة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، مستعرضًا نسبه ونشأته ومكانته العلمية والأخلاقية، وظروف عصره، وصلته بشيعته، ودوره في التمهيد لغيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). والكتاب هو الجزء الثالث عشر من سلسلة «من حياة المعصومين عليهم السلام»، وقد اعتمد مؤلفه على عدد كبير من المصادر الحديثية والتاريخية، مثل: الكافي، والإرشاد، وكمال الدين، وتحف العقول، ومناقب آل أبي طالب، وكشف الغمة، وبحار الأنوار.
يبدأ الكتاب بالتعريف بالإمام، فهو الحسن بن علي الهادي (عليهما السلام)، الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت. كنيته أبو محمد، ومن أشهر ألقابه: العسكري، والزكي، والهادي، والخالص، والتقي، والسراج. ولُقّب بالعسكري لأن السلطة العباسية أجبرته ووالده الإمام الهادي عليه السلام على الإقامة في منطقة «العسكر» بمدينة سامراء، حيث كانا تحت المراقبة. ولد الإمام في الثامن من ربيع الآخر سنة 232 للهجرة، ونشأ في بيت الإمامة والعلم والعبادة، وتلقى عن والده علوم أهل البيت ومواريث الأنبياء.
ويورد الكتاب مجموعة من النصوص الدالة على إمامة الحسن العسكري (عليه السلام)، ومنها قول والده الإمام الهادي: «أبو محمد ابني أصح آل محمد غريزةً، وأوثقهم حجةً، وهو الأكبر من ولدي، وهو الخلف، وإليه تنتهي عرى الإمامة وأحكامنا». وتكشف هذه النصوص أن انتقال الإمامة لم يكن قائمًا على الاختيار الشخصي أو الوراثة التقليدية، وإنما كان بتعيين واضح من الإمام السابق وفق الاعتقاد الإمامي.
ويولي المؤلف أخلاق الإمام مساحة كبيرة، فيعرض شهادات أصدقائه وخصومه فيه. ومن أهمها شهادة أحمد بن عبيد الله بن خاقان، أحد رجال الدولة العباسية المعروفين بعدائهم لأهل البيت، فقد أقر بأنه لم يرَ في سامراء مثل الإمام العسكري في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه، وأن الناس جميعًا كانوا يقدمونه ويحسنون القول فيه. وتدل هذه الشهادة على أن أخلاق الإمام فرضت احترامها حتى على مخالفيه، وأن مكانته لم تكن مستمدة من منصب سياسي، بل من شخصيته وسيرته.
كما يعرض الكتاب صورًا من جود الإمام وعفوه واهتمامه بحاجات الناس. فقد كان يساعد المحتاجين من غير أن يجرح كرامتهم، وربما بادر إلى العطاء قبل أن يصرحوا بحاجتهم. وحين استحيا أبو هاشم الجعفري من طلب المال، أرسل إليه الإمام مئة دينار وكتب له: «إذا كانت لك حاجة فلا تستحِ ولا تحتشم، واطلبها، فإنك ترى ما تحب». ويكشف هذا الموقف أن الإحسان في منهج أهل البيت لا ينفصل عن حفظ كرامة الإنسان ومشاعره.
ومن المحاور البارزة في الكتاب علم الإمام العسكري ودفاعه عن عقيدة الأمة. فقد أجاب عن أسئلة أصحابه في العقيدة والفقه والتفسير، وواجه الشبهات بالحجة والدليل. ومن أشهر المواقف قصة الاستسقاء، حين خرج راهب نصراني ورفع يده فنزل المطر، فشك بعض الناس في دينهم. كشف الإمام أن الراهب كان يخفي في يده عظم نبي، وأن عظم النبي إذا كُشف تحت السماء هطل المطر. فلما أُخذ العظم منه، رفع يده فلم ينزل المطر، وبذلك أزال الإمام الشبهة بأسلوب علمي واضح.
ويتناول الكتاب عبادة الإمام وزهده، ولا سيما في فترات سجنه. فقد أوكلت السلطة بحراسته رجلين من أشد الناس قسوة، لكنهما تأثرا بعبادته وأخلاقه وتحولا إلى الصلاة والعبادة. وعندما سُئلا عن حاله قالا إنه يصوم نهاره ويقوم ليله، ولا ينشغل بغير ذكر الله. وهكذا تحول السجن، الذي أرادته السلطة وسيلة لإضعافه، إلى مدرسة للإصلاح والهداية. ومع ذلك، لم يحصر الإمام مفهوم العبادة في الممارسات الظاهرية، بل قال: «ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله».
ويبين الكتاب أن الإمام عاش في ظل سلطة عباسية تخشاه وتراقب تحركاته، ولا سيما بسبب الروايات التي تبشر بأن الإمام المهدي سيكون من ذريته. لذلك حاصرت السلطة بيته وراقبت أسرته، لكنها لم تستطع منعه من قيادة شيعته. فقد اعتمد الإمام على المراسلات السرية والوكلاء الثقات، وأجاب عن أسئلة أتباعه، وأوصل إليهم توجيهاته رغم الرقابة.
وكان أعظم أدواره إعداد المجتمع الشيعي لعصر الغيبة. فقد قلّل الاتصال المباشر بأصحابه، واعتمد نظام الوكلاء، وأعلن أن عثمان بن سعيد العمري وكيله، وأن ابنه محمدًا سيكون وكيلًا لولده المهدي. كما أخفى ولادة الإمام المهدي عن السلطة، وأطلع عليها خواص أصحابه؛ فجمع بين حمايته من العباسيين وإثبات ولادته وإمامته للثقات.
ويضم الكتاب مجموعة من وصايا الإمام وكلماته، منها: «جعلت الخبائث في بيت، وجعل مفتاحه الكذب»، وقوله: «من وعظ أخاه سرًّا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه»، وقوله: «خصلتان ليس فوقهما شيء: الإيمان بالله ونفع الإخوان». وهي كلمات تكشف عن مشروع تربوي يربط الإيمان بالصدق، والعبادة بالتفكر، والأخلاق بخدمة الناس.
استشهد الإمام العسكري عليه السلام في الثامن من ربيع الأول سنة 260 للهجرة، بعد أن دس إليه المعتمد العباسي السم، ودُفن إلى جوار والده الإمام الهادي في سامراء. ويخلص الكتاب إلى أن قصر عمر الإمام وشدة الحصار لم يمنعاه من أداء رسالته؛ فقد حفظ العقيدة، وربّى أصحابه، وهذّب المجتمع، ومهّد لغيبة الإمام المهدي. ومن هنا تمثل سيرته نموذجًا للقائد الذي يحوّل الحصار إلى عمل، والسجن إلى مدرسة، والمحنة إلى طريق لحفظ الرسالة وبناء المستقبل.





اضافةتعليق
التعليقات