• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يكون الردّ الأخلاقي أقوى من الانتقام

فاطمة منتظر / الخميس 24 ايلول 2026 / حقوق / 348
شارك الموضوع :

تكون القوة الحقيقية في أن تملك القدرة على الرد ثم تختار ألّا تؤذي، وأن تستطيع أن تغضب ثم تمنح نفسك لحظة قبل أن تتكلم

في زمنٍ أصبحت فيه الإساءة تنتقل من شخص إلى آخر بضغطة زر، وتتحول كلمة عابرة إلى خصومة طويلة، تبدو بعض المواقف القديمة أكثر معاصرة مما نتخيل، فمشكلتنا اليوم ليست دائماً في وقوع الأذى، بقدر ما هي في كيفية تعاملنا معه: هل نردّ الإساءة بمثلها، أم نمتلك من القوة ما يجعلنا قادرين على اختيار ردٍّ مختلف؟

في سيرة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، تبرز ملامح إنسانية لافتة في التعامل مع الخطأ والإساءة والخصومة، فقد كان الحلم عنده ليس موقفاً سلبياً، ولا تنازلاً عن الكرامة، وإنما قدرة على ضبط ردّ الفعل واختيار ما هو أرقى منه، ومن المواقف الدالة على ذلك أنه بعث غلاماً له في حاجة، فأبطأ عليه، فخرج الإمام في أثره، فوجده نائماً، فجلس عند رأسه يروّح له حتى انتبه، ثم قال له: «يا فلان، والله ما ذلك لك، تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار».

المشهد هنا يتجاوز مجرد التعامل مع خادم أخطأ أو قصّر؛ فهو يضع أمامنا نموذجاً في إدارة الغضب، كان بإمكان الإمام أن يبدأ بالتوبيخ، أو أن يجعل من الخطأ مناسبة للإهانة، لكنه اختار أن يوقظ الإنسان قبل أن يعاقب الخطأ، وهذه الفكرة شديدة الصلة بحياتنا اليوم، ولا سيما في التربية والعمل والعلاقات الأسرية؛ إذ كثيراً ما نخلط بين تصحيح السلوك وكسر صاحبه!

ولم يكن الحلم منفصلاً عن العطف؛ فقد عُرف الإمام الصادق عليه السلام بالبر والصلة والعناية بالناس، حتى شملت رحمته القريب والبعيد، والسجين والمريض والمحتاج، وتذكر الروايات مواقف متعددة من دعائه للمسجونين والمرضى، وسؤاله حاجات الناس وتفريج كربهم، وهنا تظهر قيمة إنسانية مهمة: أن نرى الإنسان قبل خطئه، وحاجته قبل اختلافه معنا.

وربما يكون أكثر المواقف إيلاماً هو ما ارتبط بوفاة ابنه إسماعيل؛ فقد كان فقد الأب لابنه امتحاناً لا يمكن اختزاله بكلمات عن الصبر، ومع ذلك، تروي المصادر أنه دعا أصحابه إلى الطعام وقدّم لهم أفخر الأطعمة وأطيبها، وحين استغرب بعضهم عدم ظهور آثار الحزن عليه، جاء موقفه كدرس في التعامل مع الفقد: الحزن موجود، لكنه لا يعني أن تتوقف الحياة، ولا أن يتحول الألم إلى عجز عن أداء المسؤولية، كما ورد عنه في تعزية أحد أصحابه بإسماعيل: «إنا قد أصبنا بإسماعيل فصبرنا فاصبر كما صبرنا، إنا أردنا أمراً وأراد الله عز وجل أمراً فسلّمنا لأمر الله عز وجل».

وهنا تبرز قضية معاصرة أخرى: كيف نعيش الحزن من دون أن يسمح لنا الحزن بأن نفقد قدرتنا على الاستمرار؟ فالحياة لا تتوقف لأننا تعرضنا للخسارة، كما أن الصبر لا يعني إنكار المشاعر أو التظاهر بالقوة، وإنما يعني ألا يتحول الألم إلى سلوك يؤذي أنفسنا ومن حولنا، أما حين تضيق الخيارات ويصبح الانتقام هو الرد الأسهل، فتأتي قيمة الدعاء بوصفه ملاذاً آخر، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) الحث على الدعاء، حتى وصف في الروايات بأنه من أعظم أبواب التقرب إلى الله، وأن الدعاء لا ينبغي أن يُترك لصغر الحاجة أو كِبرها وفي هذا المعنى يتحول الدعاء من مجرد طلب إلى طريقة لإعادة ترتيب الداخل؛ فالإنسان الذي يرفع حاجته إلى الله لا يحتاج بالضرورة إلى تحويل غضبه إلى خصومة، ولا ألمه إلى انتقام، هذه المواقف وغيرها ليس وصفة مثالية لحياة خالية من الأخطاء، بل نموذجاً لكيفية التعامل معها، فالإمام لا يلغي الخطأ، ولا يسمح بالتقصير، لكنه لا يجعل العقوبة غايته الأولى، ولا ينكر الحزن، لكنه لا يسمح له بأن يسلبه مسؤوليته. ولا يتجاهل الأذى، لكنه لا يجعل الانتقام اللغة الوحيدة الممكنة، ولعل هذا هو الدرس الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى: ليس كل ردٍّ قوّة، وليس كل صمتٍ ضعفاً، وليس كل عفوٍ تنازلاً.

أحياناً تكون القوة الحقيقية في أن تملك القدرة على الرد ثم تختار ألّا تؤذي، وأن تستطيع أن تغضب ثم تمنح نفسك لحظة قبل أن تتكلم، وأن ترى خطأ الآخر من دون أن تفقد إنسانيتك تجاهه ففي عالمٍ سريع الانفعال، ربما نحتاج أن نتعلم شيئاً من ذلك الحلم الهادئ: أن نصلح الإنسان قبل أن نحاكمه، وأن نداوي الجرح قبل أن نبحث عن مذنب، وأن نجعل أخلاقنا أقوى من إساءات الآخرين.

الاخلاق
التفكير
القيم
المجتمع
السلوك
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    منهج الرسول الأكرم في تهذيب النفس وبناء الإنسان

    منهج الرسول الأكرم في تهذيب النفس وبناء الإنسان

    السبت 15 آب 2026/
    إمام الدعاء في مواجهة الفكر الضال

    إمام الدعاء في مواجهة الفكر الضال

    الأثنين 13 تموز 2026/
    الرحمة والإنسان في دولة الإمامة العادلة

    الرحمة والإنسان في دولة الإمامة العادلة

    الأربعاء 03 حزيران 2026/
    الإمام الباقر ودوره في ترسيخ الإمامة وإحياء الروح الحسينية

    الإمام الباقر ودوره في ترسيخ الإمامة وإحياء الروح الحسينية

    الأحد 24 آيار 2026/
    الجود الواعي… فلسفة الإنفاق عند الإمام الجواد

    الجود الواعي… فلسفة الإنفاق عند الإمام الجواد

    الأثنين 18 آيار 2026/
    السيدة خديجة… الإيمان الذي سبق التاريخ وصنع الرسالة

    السيدة خديجة… الإيمان الذي سبق التاريخ وصنع الرسالة

    السبت 28 شباط 2026/

    آخر الاضافات

    من العدالة إلى النرجسية: التشريح النفسي للنسوية الحديثة

    دائرة الخوف المغلقة.. كيف تشترك أربعة مكونات حيوية ونفسية في صناعة القلق؟

    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    التضخم والصحة النفسية للشباب.. حين يتحول غلاء المعيشة إلى ضغط نفسي مزمن

    اليام البنفسجي: كنز غذائي يُسهم في تنظيم مستويات سكر الدم

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    ظاهرة الكذب لدى الأطفال: جذورها النفسية وطرق العلاج

    آخر القراءات

    كيف تشعر الحيوانات بالكوارث قبل حدوثها؟

    النشر : الثلاثاء 12 تموز 2022
    اخر قراءة : منذ 32 دقيقة

    حديث عقلي أم ثمة مراهنة؟

    النشر : الأثنين 27 حزيران 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    للدجاج مضار.. تعرف عليها

    النشر : الأربعاء 25 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    النشر : الأثنين 14 ايلول 2026
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    الولاء العلوي: قراءة في أبعاد المنهج وعمقه العقائدي والإنساني

    النشر : الخميس 04 حزيران 2026
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    على حافة النافذة.. حين يطرق عرفة باب القلب

    النشر : الثلاثاء 26 آيار 2026
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1156 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 377 مشاهدات

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    • 344 مشاهدات

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    • 335 مشاهدات

    الذكاء الاصطناعي يتنبأ بفائزي نوبل 2026.. اتفاق في الطب والأدب وخلاف حول السلام

    • 331 مشاهدات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    • 326 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1156 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 793 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 564 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 552 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 538 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 513 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من العدالة إلى النرجسية: التشريح النفسي للنسوية الحديثة
    • منذ 10 ساعة
    دائرة الخوف المغلقة.. كيف تشترك أربعة مكونات حيوية ونفسية في صناعة القلق؟
    • منذ 10 ساعة
    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة
    • منذ 10 ساعة
    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق
    • السبت 10 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة