في زمنٍ أصبحت فيه الإساءة تنتقل من شخص إلى آخر بضغطة زر، وتتحول كلمة عابرة إلى خصومة طويلة، تبدو بعض المواقف القديمة أكثر معاصرة مما نتخيل، فمشكلتنا اليوم ليست دائماً في وقوع الأذى، بقدر ما هي في كيفية تعاملنا معه: هل نردّ الإساءة بمثلها، أم نمتلك من القوة ما يجعلنا قادرين على اختيار ردٍّ مختلف؟
في سيرة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، تبرز ملامح إنسانية لافتة في التعامل مع الخطأ والإساءة والخصومة، فقد كان الحلم عنده ليس موقفاً سلبياً، ولا تنازلاً عن الكرامة، وإنما قدرة على ضبط ردّ الفعل واختيار ما هو أرقى منه، ومن المواقف الدالة على ذلك أنه بعث غلاماً له في حاجة، فأبطأ عليه، فخرج الإمام في أثره، فوجده نائماً، فجلس عند رأسه يروّح له حتى انتبه، ثم قال له: «يا فلان، والله ما ذلك لك، تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار».
المشهد هنا يتجاوز مجرد التعامل مع خادم أخطأ أو قصّر؛ فهو يضع أمامنا نموذجاً في إدارة الغضب، كان بإمكان الإمام أن يبدأ بالتوبيخ، أو أن يجعل من الخطأ مناسبة للإهانة، لكنه اختار أن يوقظ الإنسان قبل أن يعاقب الخطأ، وهذه الفكرة شديدة الصلة بحياتنا اليوم، ولا سيما في التربية والعمل والعلاقات الأسرية؛ إذ كثيراً ما نخلط بين تصحيح السلوك وكسر صاحبه!
ولم يكن الحلم منفصلاً عن العطف؛ فقد عُرف الإمام الصادق عليه السلام بالبر والصلة والعناية بالناس، حتى شملت رحمته القريب والبعيد، والسجين والمريض والمحتاج، وتذكر الروايات مواقف متعددة من دعائه للمسجونين والمرضى، وسؤاله حاجات الناس وتفريج كربهم، وهنا تظهر قيمة إنسانية مهمة: أن نرى الإنسان قبل خطئه، وحاجته قبل اختلافه معنا.
وربما يكون أكثر المواقف إيلاماً هو ما ارتبط بوفاة ابنه إسماعيل؛ فقد كان فقد الأب لابنه امتحاناً لا يمكن اختزاله بكلمات عن الصبر، ومع ذلك، تروي المصادر أنه دعا أصحابه إلى الطعام وقدّم لهم أفخر الأطعمة وأطيبها، وحين استغرب بعضهم عدم ظهور آثار الحزن عليه، جاء موقفه كدرس في التعامل مع الفقد: الحزن موجود، لكنه لا يعني أن تتوقف الحياة، ولا أن يتحول الألم إلى عجز عن أداء المسؤولية، كما ورد عنه في تعزية أحد أصحابه بإسماعيل: «إنا قد أصبنا بإسماعيل فصبرنا فاصبر كما صبرنا، إنا أردنا أمراً وأراد الله عز وجل أمراً فسلّمنا لأمر الله عز وجل».
وهنا تبرز قضية معاصرة أخرى: كيف نعيش الحزن من دون أن يسمح لنا الحزن بأن نفقد قدرتنا على الاستمرار؟ فالحياة لا تتوقف لأننا تعرضنا للخسارة، كما أن الصبر لا يعني إنكار المشاعر أو التظاهر بالقوة، وإنما يعني ألا يتحول الألم إلى سلوك يؤذي أنفسنا ومن حولنا، أما حين تضيق الخيارات ويصبح الانتقام هو الرد الأسهل، فتأتي قيمة الدعاء بوصفه ملاذاً آخر، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) الحث على الدعاء، حتى وصف في الروايات بأنه من أعظم أبواب التقرب إلى الله، وأن الدعاء لا ينبغي أن يُترك لصغر الحاجة أو كِبرها وفي هذا المعنى يتحول الدعاء من مجرد طلب إلى طريقة لإعادة ترتيب الداخل؛ فالإنسان الذي يرفع حاجته إلى الله لا يحتاج بالضرورة إلى تحويل غضبه إلى خصومة، ولا ألمه إلى انتقام، هذه المواقف وغيرها ليس وصفة مثالية لحياة خالية من الأخطاء، بل نموذجاً لكيفية التعامل معها، فالإمام لا يلغي الخطأ، ولا يسمح بالتقصير، لكنه لا يجعل العقوبة غايته الأولى، ولا ينكر الحزن، لكنه لا يسمح له بأن يسلبه مسؤوليته. ولا يتجاهل الأذى، لكنه لا يجعل الانتقام اللغة الوحيدة الممكنة، ولعل هذا هو الدرس الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى: ليس كل ردٍّ قوّة، وليس كل صمتٍ ضعفاً، وليس كل عفوٍ تنازلاً.
أحياناً تكون القوة الحقيقية في أن تملك القدرة على الرد ثم تختار ألّا تؤذي، وأن تستطيع أن تغضب ثم تمنح نفسك لحظة قبل أن تتكلم، وأن ترى خطأ الآخر من دون أن تفقد إنسانيتك تجاهه ففي عالمٍ سريع الانفعال، ربما نحتاج أن نتعلم شيئاً من ذلك الحلم الهادئ: أن نصلح الإنسان قبل أن نحاكمه، وأن نداوي الجرح قبل أن نبحث عن مذنب، وأن نجعل أخلاقنا أقوى من إساءات الآخرين.








اضافةتعليق
التعليقات