لعل أكثر مما يُعرف عن الامام السجاد صلوات الله عليه كثر الأدعية والمناجاة والعبادة ولهذه جمعيا أثرها البالغ في المجتمع آنذاك وأسست لجذور عقائدية كان المجتمع آنذاك يفتقر لها ولا زلنا للآن نغرف منها دون ارتواء فكلما رحنا وراء قراءة في دعاء معين وجدنا غيره تقف عنده العقول والأذهان.
أما الدور الاجتماعي فلا تخفى رسالة الحقوق عن شيعته فهي منتظم وحاكم وحافظ للحدود الاجتماعية بين الأفراد ومعرفة كل ذي حق حقه أما على مستوى الجهاد الفكري فقد خاض الإمام علي بن الحسين عليه السلام معركة شرسة لإحياء معالم الدين بعد أن انحرفت السلطة بالعقائد والأفكار، وحاولت جاهدة عزل الأمة عن منبعها الصافي؛ مستغلة في ذلك سياسة منع الحديث ـ تدويناً ورواية ـ التي كانت قد بدأت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة.
وبذل الإمام عليه السلام جهوداً جبّارةً لتثبيت قواعد التوحيد الإلهي وتشييد أركانه عبر الاستدلال على ذلك بما يوافق الفطرة والعقل السليمين، والردّ على الأفكار المنحرفة التي غذّاها الحكّام ـ مثل فكرة الجبر الإلهي ـ بهدف التمكّن من السلطة والسيطرة التامة على مصير الناس والهيمنة على الأفكار بعد السيطرة على الأفواه والأجسام.
وقد تحدّى الإمام عليه السلام الحاكم في مجلسه حين ردّ على الانحراف العقائدي بتلك الصراحة حين أراد ابن زياد الذي أراد أن ينسب قتل عليّ بن الحسين إلى الله فقال له: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)، وبيّن الفرق بين التوفّي للأنفس واسترجاعها ـ الذي نسبه القرآن إلى الله تعالى حين حلول الأجل والموت حتف الأنف ـ وبين القتل الذي هو إزهاق الروح من قبل القاتل قبل حلول الموت المذكور. وفي جوابه عليه السلام عن سؤال: أبقدر يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل؟ قال عليه السلام: (إنّ القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد... ولله فيه العون لعباده الصالحين)، ثمّ قال عليه السلام: (ألا من أجور الناس من رأى جوره عدلاً، وعدل المهتدي جوراً).
وهكذا تصدّى الإمام عليه السلام لعقيدة التشبيه والتجسيم، وفكرة الإرجاء. وعلى صعيد الإمامة والولاية أعلن الإمام عليه السلام عن إمامته بنفسه بكلّ وضوح وصراحة ومن دون أيّة تقيّة أو سريّة، وقد تعدّدت الأحاديث المصرّحة بهذا الإعلان، منها قوله عليه السلام: (نحن أئمّة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين وقادة الغرّ المحجّلين وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض، كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء... ولولا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها، ولم تخلُ الأرض منذ خلق الله آدم من حجّة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله فيها، ولو لا ذلك لم يعبد الله).
وقال أبو المنهال نصر بن أوس الطائي: قال لي عليّ بن الحسين عليه السلام: (إلى مَن يذهب الناس؟) قال: قلت: يذهبون ها هنا وها هنا، قال: (قل لهم يجيئون إليّ). وقال له أبو خالد الكابلي: يا مولاي، أخبرني كم يكون الأئمّة بعدك؟ قال: (ثمانية لأنّ الأئمّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر إماماً، عدد الأسباط، ثلاثة من الماضين، وأنا الرابع، وثمانية من ولدي...) .
والانحراف الذي حصل عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام لم ينحصر في إقصائهم عن الحكم والولاية فقط، بل انتهى إلى الجهل بأحكام الشريعة التي كان الأئمّة هم المرجع الواقعي والصحيح للتعرّف عليها؛ فالإمام ليس وليّاً للأمر وحاكماً على البلاد والعباد فحسب، وإنّما هو مصدر يرجع إليه لفهم الشريعة وتبيين أحكامها، باعتبار معرفته التامة بالشريعة الخاتمة وارتباطه الوثيق بمصادرها الحقيقيّة.
وكما أقصى الحكّام أئمّة أهل البيت عليهم السلام عن الحكم والولاية; حاولوا كذلك نفي مرجعيتهم الدينية والعلميّة وإبعاد الناس عنهم، لذلك اهتمّ الأئمّة وأتباعهم بإرشاد الناس إلى هذا المعين الصافي للشريعة الإسلامية كي ينهلوا منه، وكان اهتمام الإمام السجاد عليه السلام بليغاً بهذا الأمر حتى قال عليه السلام لرجل شاجره في مسألة شرعية فقهية: (يا هذا، لو صرت إلى منازلنا لأريناك آثار جبرئيل في رحالنا، أيكون أحدٌ أعلم بالسنّة منّا).
وقال عليه السلام: (إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة، لا يُصاب إلاّ بالتسليم، فمن سلّم لنا سَلِم، ومن اقتدى بنا هُدي، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه ـ ممّا نقوله أو نقضي به ـ حَرَجاً كفر بالّذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم) .
لتتكامل من خلال هذه المواقف معالم ذلك الجهاد الفكري العظيم الذي قاده الإمام زين العابدين عليه السلام لحفظ بيضة الإسلام وحماية العقيدة من التشويه والضياع.








اضافةتعليق
التعليقات