لعل من أقسى التجارب التي يمكن أن يمر بها الإنسان هي تجربة أن يُعتدى عليه ويُؤخذ حقه بغير وجه حق؛ وهو ما يورث في النفس شعوراً مريراً بالظلم، ويزداد الأمر قسوة حين لا يجد سبيلاً في دفع أو رفع هذا الظلم، هنا الإمام السجاد (عليه السلام) يعطينا الحل للنجاح في هذه التجربة، في دعاء له بعنوان "مِنْ دُعَائِهِ إِذَا اعْتُدِيَ عَلَيْهِ أَوْ رَأَى مِنَ الظَّالِمِينَ مَا لَا يُحِبُّ" (١).
ففي هذه التجربة يمر الإنسان باختبار إلهي له بعدان:
البعد الأول: على المظلوم أن لا يرى أنه خارج عن ولاية ربه، فهو قد ظُلِم ليس لأن الله تعالى رفع عنه حمايته أو نصرته، كلا! بل الأمر داخل في سنة الاختيار التي منحها تعالى لكل إنسان، فالمظلوم يقع عليه الظلم بفعل اختيار ذلك الظالم بأن يسلك معه هذا السلوك، والإمام السجاد (عليه السلام) يُعرّفنا بهذا البعد بعدة فقرات:
أولاً: الاعتراف بهذه الحقيقة بقوله: "يَا مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَنْبَاءُ الْمُتَظَلِّمِينَ، ويَا مَنْ لَا يَحْتَاجُ فِي قَصَصِهِمْ إِلَى شَهَادَاتِ الشَّاهِدِينَ، ويَا مَنْ قَرُبَتْ نُصْرَتُهُ مِنَ الْمَظْلُومِينَ، ويَا مَنْ بَعُدَ عَوْنُهُ عَنِ الظَّالِمِينَ، قَدْ عَلِمْتَ، يَا إِلَهِي، مَا نَالَنِي مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِمَّا حَظَرْتَ، وانْتَهَكَهُ مِنِّي مِمَّا حَجَزْتَ عَلَيْهِ، بَطَراً فِي نِعْمَتِكَ عِنْدَهُ، واغْتِرَاراً بِنَكِيرِكَ عَلَيْهِ."
ثانياً: طلب العون والنصرة في دفع ورفع هذا الظلم منه سبحانه لا من غيره، وبذلك نفيِ فكرة أن وقوع الظلم عليه يعني تخلي الله تعالى عنه، أو الاستسلام وقبول وقوع هذا الظلم أو تقبل استمرار هذا الظلم كما نقرأ بهذه الفقرة: "اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وخُذْ ظَالِمِي وعَدُوِّي عَنْ ظُلْمِي بِقُوَّتِكَ، وافْلُلْ حَدَّهُ عَنِّي بِقُدْرَتِكَ، واجْعَلْ لَهُ شُغْلًا فِيمَا يَلِيهِ، وعَجْزاً عَمَّا يُنَاوِيهِ".
وهذه الفقرة: "اللَّهُمَّ وصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، ولَا تُسَوِّغْ لَهُ ظُلْمِي، وأَحْسِنْ عَلَيْه عَوْنِي، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وأَعْدِنِي عَلَيْهِ عَدْوَى حَاضِرَةً، تَكُونُ مِنْ غَيْظِي بِهِ شِفَاءً، ومِنْ حَنَقِي عَلَيْهِ وَفَاءً".
ثالثاً: طلب العصمة الإلهية من أن يصدر هذا الفعل منه بعد أن وقع عليه، بقوله: "اللَّهُمَّ وصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، واعْصِمْنِي مِنْ مِثْلِ أَفْعَالِهِ، ولَا تَجْعَلْنِي فِي مِثْلِ حَالِهِ"، ولعل أهم ما في الشعور بألم الظلم هو تجنب الوقوع في ظلم الغير.
رابعاً: طلب العوض المعنوي من الله تعالى على تلك الظلامة، كالمغفرة والرحمة، بعبارة: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وعَوِّضْنِي مِنْ ظُلْمِهِ لِي عَفْوَكَ، وأَبْدِلْنِي بِسُوءِ صَنِيعِهِ بِي رَحْمَتَكَ"، بل وكأن الإمام (عليه السلام) هنا يجعل من الوقوع بهذه الظلامة وسيلة أو سببا ليعيش هذا الداعي لحظات القرب من خلال مناجاته سبحانه وتعالى، كما نجد في تكملة الفقرة: "فَكُلُّ مَكْرُوهٍ جَلَلٌ دُونَ سَخَطِكَ، وكُلُّ مَرْزِئَةٍ سَوَاءٌ مَعَ مَوْجِدَتِكَ، ومن ثم الطلب المادي الذي هو الوقاية من ارتكاب فعل الظلم تجاه الآخرين بقول: "اللَّهُمَّ فَكَمَا كَرَّهْتَ إِلَيَّ أَنْ أُظْلَمَ، فَقِنِي مِنْ أَنْ أَظْلِمَ."
البعد الثاني: إن لم يُقدَّر للإنسان أن يحصل على حقه ممن اعتدى عليه وظلمه، كيف يحافظ هذا المظلوم على سلامة قلبه من هذا الشعور المؤذي له؟ وكيف يتجاوز هذا الاختبار ولا يكون حبيس هذه التجربة؟ الإمام السجاد (عليه السلام) يعرّفنا الإجابة أيضاً فيما بقي من فقرات هذا الدعاء، وذلك عبر خطوات:
أولاً: الاستعانة بالله تعالى وحده وعدم الوقوع في فخ محاولة إيجاد ناصر غير الله تعالى، فالإنسان أحياناً عندما يطرق باب الله تعالى ولا تأتي الإجابة، يبدأ بطرق أبواب غيره، وهذا ما يشير إليه الإمام بقوله: "اللَّهُمَّ لَا أَشْكُو إِلَى أَحَدٍ سِوَاكَ، ولَا أَسْتَعِينُ بِحَاكِمٍ غَيْرِكَ، حَاشَاكَ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وصِلْ دُعَائِي بِالْإِجَابَةِ، واقْرِنْ شِكَايَتِي بِالتَّغْيِيرِ"، وبقوله: "اللَّهُمَّ لَا تَفْتِنِّي بِالْقُنُوطِ مِنْ إِنْصَافِكَ، ولَا تَفْتِنْهُ بِالْأَمْنِ مِنْ إِنْكَارِكَ فَيُصِرَّ عَلَى ظُلْمِي، ويُحَاضِرَنِي بِحَقِّي، وعَرِّفْهُ عَمَّا قَلِيلٍ مَا أَوْعَدْتَ الظَّالِمِينَ، وعَرِّفْنِي مَا وَعَدْتَ مِنْ إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّينَ."
ثانياً: التسليم لأمر الله تعالى فيما يحكم ويقضي، فليست الدنيا عالم الجزاء والحساب، بل عالم الآخرة، فالخير ليس محصوراً بالاستجابة العاجلة، بل قد يكون في عدم الاستجابة وفي تأخيرها إلى ذلك اليوم، وذلك بقوله: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، ووَفِّقْنِي لِقَبُولِ مَا قَضَيْتَ لِي وعَلَيَّ، ورَضِّنِي بِمَا أَخَذْتَ لِي ومِنِّي، واهْدِنِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، واسْتَعْمِلْنِي بِمَا هُوَ أَسْلَمُ".
وفي الختام الإمام يعلمنا ما نحتاجه لقبول اختيار الله تعالى فيما سألنا ودعونا بخصوص تلك المظلمة بقوله: "اللَّهُمَّ وإِنْ كَانَتِ الْخِيَرَةُ لِي عِنْدَكَ، فِي تَأْخِيرِ الْأَخْذِ لِي، وتَرْكِ الِانْتِقَامِ مِمَّنْ ظَلَمَنِي إِلَى يَوْمِ الْفَصْلِ ومَجْمَعِ الْخَصْمِ"، وذلك بأربعة أمور:
الأمر الأول: بقوله: "فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وأَيِّدْنِي مِنْكَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ"، فلكي يكون الإنسان صادقاً في سلوكه يحتاج إلى نية صادقة، فمثلاً الإنسان الذي ينوي أن يحتسب ما وقع عليه من ظلم إلى يوم الجزاء، ولكنه في ذات الوقت لا زال يعيش في حياته اليومية حالة التسخط والوجع القلبي مما جرى، هو في الحقيقة ليس صادقاً فيما نوى، فكل فعل يصدر منه بعدها هو كاشف عن صدق نيته، كما سنرى في بقية الأمور التي يعلمنا الإمام أن نطلبها من الله تعالى لتعيننا على ذلك.
الأمر الثاني: بقوله: "وصَبْرٍ دَائِمٍ"، فالظلم ليس شعوراً يسهل على كل أحد التخلص منه، أو تجاوزه أو حتى نسيانه، لذا هذا الطلب أتى بعد طلب النية، بل النية بحد ذاتها حتى تبقى صادقة يحتاج صاحبها إلى دوام الصبر حتى يحافظ عليها.
الأمر الثالث: بقوله: "وأَعِذْنِي مِنْ سُوءِ الرَّغْبَةِ، وهَلَعِ أَهْلِ الْحِرْصِ"، إذ أن شعور الظلم عادة ما يرافقه شعور الغضب والرغبة بالانتقام -وهي كما يبدو ما عبر عنها الإمام بسوء الرغبة- وأرفقها بالهلع الذي يصاحب أهل الحرص، أي ذوي الخوف الشديد على ما فاتهم أو ضاع منهم بأخذه وسلبه ظلماً، وهنا نعود إلى الأمر الأول والثاني فصدق النية والصبر يظهر هنا، وهذا الحال ما يوصلنا إليه هو الأمر الرابع.
الأمر الرابع: بقوله: "وصَوِّرْ فِي قَلْبِي مِثَالَ مَا ادَّخَرْتَ لِي مِنْ ثَوَابِكَ، وأَعْدَدْتَ لِخَصْمِي مِنْ جَزَائِكَ وعِقَابِكَ، واجْعَلْ ذَلِكَ سَبَباً لِقَنَاعَتِي بِمَا قَضَيْتَ، وثِقَتِي بِمَا تَخَيَّرْتَ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، وأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، فالذي يؤمن بأن العوض الإلهي الآجل سيكون خيراً وأبقى؛ سيصبر على ما سُلِب منه في عالم الدنيا، بل وسيجد في نفسه حالة من الزهد بما أُخِذ منه.








اضافةتعليق
التعليقات