أبرز ما قد يسلبنا شعور الأمن النفسي هو الخوف الشديد من وقوع مكروه؛ فالإنسان عادةً يخاف وقوع ما يكره، فكيف إذا وقع فيه؟ حينئذٍ سيعيش حالة من الهلع والاضطراب الذي يسلبه اطمئنانه. والأصل في النفس المؤمنة السوية أنها لا تصل إلى مرحلة الهلع عند البلاءات، كما قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً} (١)، ثم استثنى صنفاً من الناس بقوله: {إِلاَّ الْمُصَلِّينَ}. فالنفس بطبيعتها تهلع عند الشر، وهذه الطبيعة قابلة للتهذيب، وبذلك يصل الإنسان إلى كماله.
إمامنا السجاد (عليه السلام) يعطينا دواء هذا الداء في دعاء له بعنوان: "إِذَا عَرَضَتْ لَهُ مُهِمَّةٌ أَوْ نَزَلَتْ بِهِ مُلِمَّةٌ وَ عِنْدَ الْكَرْبِ"، ويُعرف بـ "دعاء الأمن" (٢). لقد حددت الآية الفيصل وهو "الصلاة"، وإمامنا زين العباد بيّن التفاصيل التي تثمر عن كون الإنسان مصلياً، واصلاً ربه، متصلاً به شعورياً وواقعياً، وذلك بتحقق ستة أمور في النفس:
أولاً: التوجه القلبي لله تعالى وحده: كلما زاد إيمان المؤمن أدرك أن مصدر الأمن في نفسه هو ما يؤمن به؛ فإن كان يؤمن حقاً وصدقاً أنه "لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى"، فإنه سيشعر بأنه في مأمن من كل مكروه، وفي منجاة إن كان واقعاً فيه. فبداية الدعاء تركز على ترسيخ العقيدة بقوله: "يا مَن تُحلُّ به عُقدُ المكارِه، ويا مَن يُفثأُ به حدُّ الشّدائد...".
ثانياً: التسليم المطلق لمالك الوجود: بقولنا: "ذلّت لقُدرتك الصّعابُ وتسبّبت بلُطفك الأسبابُ...". فإن استشعار حقيقة أن الأقدار الجارية علينا إنما هي بلطفه سبحانه -لا عن غضب أو نقمة- يجعلها واقعة ضمن قاعدة: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (٣).
ثالثاً: حصر الرجاء في الله تعالى: بقولنا: "أنت المدعُوُّ للمُهمّات، وأنت المفزعُ في المُلمّات". فأحياناً تأتي المكاره لتكشف لنا حقيقة رجائنا؛ مَن الذي يرجوه القلب أولاً؟ فالقلب المتعلق بالله وحده ينجح في هذا الاختبار دوماً.
رابعاً: الاعتراف بالضعف أمام المشيئة الإلهية: بقولنا: "لا يندفعُ منها إلاّ ما دفعت، ولا ينكشفُ منها إلاّ ما كشفت". هذه الفقرات لا تحمي النفس من الهلع فحسب، بل تقيها من الاعتداد بالنفس والأنفة؛ فبدلاً من الاعتماد المهلك على النفس، يلجأ العبد إلى خالقه.
خامساً: الالتجاء إليه وحده وبث الشكوى: بقولنا: "وقد نزل بي يا ربّ ما قد تكأدني ثقله... فصلّ على محمّد وآله وافتح لي يا ربّ باب الفرج بطولك". إن طلب "حلاوة الصنع" و"الفرج الهني" يرمم الانكسار النفسي ويمنح الأمل.
سادساً: العمل بالتكليف الإلهي وعدم الانشغال عنه: بقولنا: "ولا تشغلني بالاهتمام عن تعاهُد فُرُوضك واستعمال سُنّتك". فمن علامات السواء النفسي ألا يضطرب المبتلى لدرجة تخرجه عن طاعاته وأخلاقه، بل يظل متمسكاً بواجبه السلوكي تجاه الخالق والخلق.
بالنتيجة: فإن مفتاح الأمن النفسي يبدأ من معرفة مصدره الحقيقي وهو الله سبحانه، وآثاره تعمل كدرع واقٍ عند فقدان الأمان الخارجي.








اضافةتعليق
التعليقات