كشفت دراسة واسعة النطاق أُجريت في المملكة المتحدة أن تناول الشاي والقهوة بدرجات حرارة مرتفعة جداً قد يرتبط بزيادة ملحوظة في خطر الإصابة بسرطان المريء، وخصوصاً سرطان الخلايا الحرشفية، وهو أحد أكثر أنواع سرطان المريء انتشاراً عالمياً.
وشملت الدراسة نحو 980 ألف شخص بالغ في منتصف العمر، ونُشرت نتائجها في الثامن من سبتمبر/أيلول في مجلة **International Journal of Cancer**. وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين اعتادوا تناول مشروباتهم وهي «ساخنة جداً» كانوا أكثر عرضة للإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بمن يفضلون تناولها دافئة.
أما الأشخاص الذين وصفوا مشروباتهم بأنها «ساخنة»، فكان خطر إصابتهم بالمرض يقارب ضعف الخطر المسجل لدى من يفضلون المشروبات الدافئة.
ولم تقتصر العلاقة على درجة الحرارة فقط، إذ أظهرت الدراسة أن كمية المشروبات الساخنة المستهلكة يومياً قد يكون لها دور أيضاً. فبعد أخذ درجة حرارة المشروب في الحسبان، ارتبط تناول ستة مشروبات ساخنة أو أكثر يومياً بزيادة خطر الإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء بنسبة بلغت نحو 71% مقارنة بمن يستهلكون أقل من ذلك.
واعتمد الباحثون في تحليلهم على بيانات مجموعتين بريطانيتين واسعتين هما **Million Women Study** و**UK Biobank**، حيث جُمعت معلومات عن عادات المشاركين الصحية والغذائية، بما في ذلك عدد المشروبات الساخنة التي يتناولونها ودرجة الحرارة التي يفضلونها.
وخلال فترة متابعة امتدت لأكثر من عقد في المتوسط، سُجلت 2,348 إصابة بسرطان المريء بين المشاركين. وأفاد نحو 15% منهم بأنهم يفضلون مشروباتهم شديدة السخونة، بينما ذكر ما يقرب من نصف المشاركين أنهم يتناولون ستة مشروبات ساخنة أو أكثر يومياً.
لماذا قد تكون الحرارة المرتفعة ضارة؟
يرى الباحثون أن الضرر قد لا يكون مرتبطاً بالقهوة أو الشاي بحد ذاتهما، وإنما بدرجة الحرارة التي تصل بها السوائل إلى أنسجة المريء.
فالتعرض المتكرر للسوائل شديدة السخونة قد يسبب تلفاً أو تهيجاً للخلايا التي تبطن المريء، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث التهابات متكررة، وربما يسهم على المدى الطويل في تغيرات خلوية تزيد قابلية الإصابة بالسرطان.
وكانت الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية قد صنفت في عام 2016 استهلاك المشروبات «شديدة السخونة» ضمن العوامل المحتمل تسببها بالسرطان لدى البشر، وتُعرّف هذه المشروبات بأنها التي تتجاوز درجة حرارتها **65 درجة مئوية**.
وتكتسب الدراسة الجديدة أهمية خاصة بسبب العدد الكبير للمشاركين فيها، إذ أشار الباحثون إلى أن دراسات سابقة حول الموضوع أُجريت بصورة رئيسية في مناطق من آسيا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، حيث تنتشر عادات مختلفة في تناول المشروبات الساخنة.
هل إضافة الحليب تقلل الخطر؟
بحثت الدراسة أيضاً تأثير إضافة الحليب إلى الشاي أو القهوة، لكنها لم تجد اختلافاً واضحاً في مستوى الخطر بين من يضيفون الحليب ومن لا يضيفونه، إذا بقي المشروب يُستهلك بدرجة حرارة مرتفعة.
ويشير ذلك إلى أن درجة حرارة المشروب قد تكون العامل الأهم، وليس نوع المشروب أو الإضافات المستخدمة معه.
الارتباط لا يعني إثبات العلاقة السببية
على الرغم من قوة النتائج، شدد خبراء على ضرورة التعامل معها بحذر، إذ لم يقس الباحثون درجة حرارة كل مشروب بشكل مباشر، وإنما اعتمدوا على وصف المشاركين الشخصي لما إذا كانت مشروباتهم «دافئة» أو «ساخنة» أو «ساخنة جداً».
وقد تختلف قدرة الأشخاص على تحمل الحرارة من شخص إلى آخر، لذلك لا تستطيع الدراسة وحدها إثبات أن المشروبات الساخنة تسبب السرطان بصورة مباشرة، وإنما تشير إلى وجود ارتباط قوي يستحق الاهتمام وإجراء المزيد من الدراسات.
كما أن سرطان المريء يظل من السرطانات الأقل شيوعاً نسبياً مقارنة بأنواع أخرى. وفي المملكة المتحدة، يمثل نحو 2% من حالات السرطان، ويبلغ الخطر التراكمي للإصابة به خلال حياة الفرد قرابة 1%.
ومع ذلك، قد يكون خفض حرارة المشروبات عادة وقائية بسيطة يمكن تطبيقها بسهولة، خصوصاً لدى الأشخاص الذين اعتادوا شرب الشاي أو القهوة فور إعدادها.
وينصح الباحثون بترك المشروب ليبرد لفترة قصيرة قبل تناوله، أو إضافة بعض الماء البارد أو الحليب لتقليل حرارته.
وفي الوقت نفسه، يؤكد الخبراء أن عوامل أخرى، وفي مقدمتها **التدخين**، تظل من أهم عوامل الخطر المعروفة للإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء.
وبذلك، لا تدعو نتائج الدراسة إلى التخلي عن الشاي أو القهوة، وإنما إلى تجنب استهلاكهما بدرجات حرارة شديدة الارتفاع، وجعل الانتظار قليلاً قبل الشرب عادة بسيطة قد تكون أكثر أماناً للصحة.








اضافةتعليق
التعليقات