عندما يُذكر الإمام الحُسين عليه السلام، تتجه الأذهان مباشرة إلى واقعة كربلاء وما تحمله من معانٍ عظيمة، لكن شخصية الحسين أوسع من أن تختصر في حدث واحد مهما بلغت عظمته. فقد كان إنسانًا متكاملًا في أخلاقه وصفاته وسلوكه، حتى أصبح نموذجًا يُحتذى به في مختلف جوانب الحياة.
إذن ؛ ماذا لو تحدثنا عن الحُسين الإنسان قبل الحُسين الثائر بعيدًا عن ساحة المعركة؟ بعيدًا عن السيوف والرايات؟ ماذا لو حاولنا أن نتعرف إلى الإنسان الذي أحبّه الناس قبل أن يخلّد التاريخ موقفه؟
لقد نشأ الحسين عليه السلام في بيتٍ كان الأخلاق فيه أسلوب حياة، فتعلّم من جده النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرحمة، ومن أبيه الإمام علي عليه السلام الحكمة والشجاعة، ومن أمه السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام الطهر والعطاء. فاجتمعت في شخصيته أجمل الصفات الإنسانية حتى أصبح نموذجًا للكمال الأخلاقي.
وفي مناجاة للإمام "ع" يقول فيها :
يارب يارب انت مولاهُ
فأرحم عبيدًا إليك ملجاهُ.
يا ذا المعالي عليك معتمدي
طوبى لمن كنت انت مولاهُ.
طوبى لمن كان خادمًا أرقًا
يشكوا إلى ذي الجلال بلواهُ.
ولا به علة ولا سقم
اكثر من حبه لمولاهُ.
إذا اشتكى بثه وغصته
أجابه الله ثم لباهُ.
إذا ابتلى بالظلام مبتهلًا
اكرمهُ الله ثم ناداهُ.
فنودي لأنه طلب النداء، يستجاب دعائه سلام الله عليه ونودي بشعر من نفس الوزن والقافية:
لبيك عبدي انت في كنفي
وكلما قلت قد علمناهُ.
صوتك تشتاقه ملائكتي
فحسبك الصوت قد سمعناهُ.
دعاك عندي يجول في حجبي
فحسبك الستر قد سفرناهُ.
لو هبت الريح في جوانبه
خر صريعًا لما تغشاه.
سلني بلا رغبةٍ ولا رهب
ولا حساب اني أنا اللهُ
ويُعتبر هذا الشعر من الحديث القُدسي . ماهو الحديث القُدسيّ؟
هو كل ما روي عن الله تعالى مباشرةً من القول والكلام غير القرآن الكريم وهذا منه بطبيعة الحال ..(١)
كان الإمام الحُسين (ع) يتحدث مع الله بالدعاء والمناجاة وعُرف بكثرة العبادة والتضرع إلى الله، ونقلت عنه أدعية ومناجاة مشهورة، من أبرزها دعاء عرفة الذي يُعد من أجمل النصوص الروحية في التراث الإسلامي.
إن الحديث عن الحسين عليه السلام لا ينبغي أن يقتصر على حدثٍ تاريخي عظيم، بل يجب أن يمتد إلى القيم التي جسدها في حياته اليومية. فالحسين الذي نستلهمه اليوم هو الإنسان الذي احترم كرامة الآخرين، وأحب الخير للناس، وجعل من الأخلاق رسالةً يعيشها قبل أن يدعو إليها.
ولهذا بقي الحُسين (ع) حاضرًا في الوجدان ومعشوق القلوب عبر القرون؛ لأن الناس لا تتذكر المواقف العظيمة فقط، بل تتذكر أيضًا أصحاب القلوب العظيمة. وكان الحُسين عليه السلام واحدًا من أولئك الذين جمعوا بين عظمة الموقف وعظمة الإنسان..
امتلك الحُسين (ع) شخصية إنسانية استثنائية متوازنة تستحق التأمل، جمعت بين قوة المبدأ ورقة القلب، كان صلبًا في الحق لكنه لينًا مع الناس، يعفو عند المقدرة ويقابل الإساءة بالحكمة، لذلك لم يكن تأثيره نابعاً من السلطة أو القوة، بل من حضوره الإنساني الذي ترك أثراً في كل من عرَفه.
—————————————








اضافةتعليق
التعليقات