• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

أنا كربلاء… ذاكرة الدم والخلود

زينب شاكر السماك / الخميس 18 حزيران 2026 / اعلام / 665
شارك الموضوع :

في كل عام، أفتح ذراعي للعاشقين، وأهمس لهم: هنا مرّ الحسين، وهنا سقط جسده، وهنا نهضت الإنسانية من جديد

أنا كربلاء...

لستُ مجرد مدينة على خارطة العراق، ولا أرضاً يمر عليها المسافرون ثم ينسونها. أنا ذاكرةٌ تمشي على التراب، وقصةٌ كُتبت بالدم قبل أكثر من ألف وثلاثمائة عام، وما زالت حروفها تتجدد مع كل هلالٍ لمحرم.

وحين يقترب شهر الحزن، أُحسّ وكأن عقارب الزمن تنحني لتعود إلى الوراء. أسمع وقع القادمين من بعيد، وأرى السواد يكسو البيوت والطرقات، فتنهض في ذاكرتي مشاهد ذلك الصباح الذي بدّل وجه التاريخ إلى الأبد.

كنتُ آنذاك أرضاً هادئةً تمتد فيها الصحراء القاحلة، ويُعرف اسمي بالغاضرية.. نخيلٌ متفرق، ورياحٌ تعبر الفرات ثم تستريح على الرمال. لم أكن أعلم أن السماء اختارتني لأحمل أعظم أمانة عرفتها الأرض. في العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة، وقفتُ شاهدةً على ملحمة لم تتكرر.

رأيت الحسين بن علي عليه السلام يقف فوق ثراي، ورأيت أصحابه وأهل بيته يحيطون به كنجومٍ تحرس القمر. سمعت تكبيراتهم، ودعاءهم، وهمسات أطفالهم. ثم رأيت السيوف وهي تهبط على أجسادٍ ما عرفت إلا الطهر، ورأيت الدماء تسيل فوق ترابي حتى صار كل ذرةٍ مني تحفظ اسماً من أسماء الشهداء.

في ذلك اليوم كنتُ حزينةً كما لم تحزن أرضٌ من قبل. احتضنتُ جسد الحسين عليه السلام بلا رأس، وضممتُ الأجساد الطاهرة التي بقيت تحت وهج الشمس المحرقة. كان الليل ثقيلاً، وكانت الريح تبكي معي، حتى ظننتُ أن الحزن سيبقى ساكناً في أرجائي إلى الأبد. وشهدتُ دموع الأطفال الذين أيقظهم اليتم دفعةً واحدة، وسمعتُ أنين النساء الثكالى وهنّ يبحثن بين الأجساد عن أحبةٍ لن يعودوا.

وما زلتُ إلى اليوم أحفظ صدى تلك الأصوات في أعماقي، وأذكر جيداً ذلك الصوت الشامخ الذي اخترق وجع الصحراء؛ صوت السيدة زينب عليها السلام وهي تقف أمام الجسد المقطع وتنادي بحرقةٍ هزّت السماء والأرض: «اللهم تقبّل منا هذا القربان». ومنذ ذلك اليوم بقيت كلماتها ترنّ في أرجائي، وتختلط بهبوب الرياح فوق رمالي، وكأنها عهدٌ أبدي بأن دم الأمام الحسين عليه السلام لن يضيع، وأن رسالة كربلاء ستبقى حيّة ما بقي الليل والنهار.

مرت الأيام والسنون، وتعاقبت الدول والحكام، وحاول كثيرون أن يمحوا أثري. أرادوا أن يطمسوا القبر، وأن يدفنوا الذكرى، وأن يجعلوا من الصمت نهايةً للحكاية. لكنهم لم يدركوا أن الدم الذي سُفك فوق أرضي لم يكن دماً عادياً، بل كان نوراً يزداد إشراقاً كلما حاولوا إخماده.

كنت في بعض العصور مدينةً خائفة، يزورها المحبون سراً. كان الزائر يأتي إليّ وهو يحمل روحه على كفه. يقطع الصحارى والطرق الوعرة ليقف عند قبر أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) ثم يعود مملوءاً بالقوة وكأنه أخذ من ذلك الضريح سراً من أسرار الخلود.

واليوم، بعد مرور تلك القرون الطويلة، أقف مذهولة أمام ما أصبحتُ عليه.

أين تلك الأرض التي احتضنت أجساداً وحيدة بين الرمال؟

ها أنا أرى ملايين القلوب تتدفق نحوي من كل بقاع الأرض. أسمع لغات لا أعرفها، لكنني أفهم معنى الدموع في عيون أصحابها. أرى الشيخ والعجوز، والطفل والشاب، والغني والفقير، جميعهم يسيرون في طريق واحد نحو كربلاء الحسين.

في شهر المحرم الحرام، أرتدي السواد، لكن سوادي ليس لون انكسار، بل لون وفاء. أرى المواكب تنتشر في شوارعي، وأسمع المراثي ترتفع من كل زاوية. وحين يحل الليل، تلمع القباب الذهبية وسط الرايات السوداء، فأشعر أن الحزن تحول إلى رسالة حياة.

أنا كربلاء التي كانت تبكي على الأجساد الطاهرة، فأصبحت اليوم تزهو بذكراهم. لم تعد دموعي دموع ألمٍ فقط، بل صارت دموع فخرٍ واعتزاز. فكل خطوة يخطوها زائر نحوي، وكل كأس ماء يُقدَّم باسم أبي الفضل العباس عليه السلام، وكل دمعة تُسكب على الحسين عليه السلام، هي شهادة متجددة بأن الطف لم تكن معركةً انتهت، بل مدرسة خالدة ما زالت تُعلّم الإنسانية معنى الكرامة والوفاء. وكل كلمة تُنطق بحق أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، وكل لقمةٍ تُقدَّم في مواكب العزاء، وكل فقير يجد في موائدهم الكرم والعطاء، يزيدني فخراً واعتزازاً. ويكفيني شرفاً أن أرضي احتضنت الأجساد الطاهرة للإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه الميامين، الذين جعلوا من دمي معنىً للخلود، ومن ترابي رسالةً لا تنطفئ عبر الزمن.

أما الغاضرية التي كانت يوماً صحراء صامتة، فقد أصبحت اليوم قلب العالم النابض في عاشوراء. الأرض ذاتها، والسماء ذاتها، لكن الفرق أن الدم الذي سُفك عليها قبل قرون أنبت وعياً لا يموت.

أنا كربلاء...

مدينة بدأت قصتها بجثثٍ طاهرة على الرمال، لكنها لم تنته عند القبور. تحولت تلك الأجساد إلى منارات، وتحول الحزن إلى نور، وتحولت الذكرى إلى حياة. ولهذا، كلما أقبل شهر محرم لا أستذكر الماضي فقط، بل أرى المستقبل أيضاً؛ لأن الحسين عليه السلام لم يترك لي قصة موت، بل ترك لي سر الخلود.

ولهذا أبقى، في كل عام، أفتح ذراعي للعاشقين، وأهمس لهم: هنا مرّ الحسين، وهنا سقط جسده، وهنا نهضت الإنسانية من جديد.

الشيعة
عاشوراء
الامام الحسين
كربلاء
القيم
التاريخ
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/
    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    نجمة في سماء قمّ

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأحذية خارج المنزل: عادة بسيطة تحمي الصحة والنظافة

    هل تمهد المبيدات للإصابة بباركنسون؟ أدلة متزايدة تكشف دور البيئة

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    معاني أسماء السيدة الزهراء

    الإسعافات الأولية.. أخطاء شائعة قد تزيد خطورة الحالات الطارئة

    دور الشكر في بناء علاقات صحية متزنة

    آخر القراءات

    كيف تتم عملية الهاء الرأي العام؟ وما المصلحة وراء ذلك؟

    النشر : الأربعاء 21 شباط 2024
    اخر قراءة : منذ دقيقة

    لماذا نكره التاريخ؟ ولماذا لا يحبه أطفالنا في المدارس؟

    النشر : الثلاثاء 07 كانون الأول 2021
    اخر قراءة : منذ دقيقة

    العانس.. معاناة من قدر لم تخترها لنفسها

    النشر : الأربعاء 20 كانون الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ دقيقة

    دورة في أساسيات فن التصوير الفوتوغرافي تبادر لها جمعية المودة والازدهار

    النشر : الأثنين 26 شباط 2018
    اخر قراءة : منذ دقيقة

    الرياضيات.. بين صناعة الانسان العربي وتطوير العقل الغربي

    النشر : الثلاثاء 01 شباط 2022
    اخر قراءة : منذ دقيقتين

    الضوء الأحمر والساونا بين الحقيقة والمبالغة.. ماذا يقول العلم؟

    النشر : الأحد 26 نيسان 2026
    اخر قراءة : منذ دقيقتين

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 420 مشاهدات

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    • 307 مشاهدات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    • 291 مشاهدات

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    • 287 مشاهدات

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    • 284 مشاهدات

    بين الأمومة والطموح.. نساء غيّرن مساراتهن المهنية من أجل أطفالهن

    • 283 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1176 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1132 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 1001 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 766 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 673 مشاهدات

    ميلادُ الرحمة… حين وُلد أبٌ لهذه الأمة

    • 567 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    نجمة في سماء قمّ
    • منذ 17 ساعة
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق
    • منذ 18 ساعة
    الأحذية خارج المنزل: عادة بسيطة تحمي الصحة والنظافة
    • منذ 18 ساعة
    هل تمهد المبيدات للإصابة بباركنسون؟ أدلة متزايدة تكشف دور البيئة
    • منذ 18 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة