أنا كربلاء...
لستُ مجرد مدينة على خارطة العراق، ولا أرضاً يمر عليها المسافرون ثم ينسونها. أنا ذاكرةٌ تمشي على التراب، وقصةٌ كُتبت بالدم قبل أكثر من ألف وثلاثمائة عام، وما زالت حروفها تتجدد مع كل هلالٍ لمحرم.
وحين يقترب شهر الحزن، أُحسّ وكأن عقارب الزمن تنحني لتعود إلى الوراء. أسمع وقع القادمين من بعيد، وأرى السواد يكسو البيوت والطرقات، فتنهض في ذاكرتي مشاهد ذلك الصباح الذي بدّل وجه التاريخ إلى الأبد.
كنتُ آنذاك أرضاً هادئةً تمتد فيها الصحراء القاحلة، ويُعرف اسمي بالغاضرية.. نخيلٌ متفرق، ورياحٌ تعبر الفرات ثم تستريح على الرمال. لم أكن أعلم أن السماء اختارتني لأحمل أعظم أمانة عرفتها الأرض. في العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة، وقفتُ شاهدةً على ملحمة لم تتكرر.
رأيت الحسين بن علي عليه السلام يقف فوق ثراي، ورأيت أصحابه وأهل بيته يحيطون به كنجومٍ تحرس القمر. سمعت تكبيراتهم، ودعاءهم، وهمسات أطفالهم. ثم رأيت السيوف وهي تهبط على أجسادٍ ما عرفت إلا الطهر، ورأيت الدماء تسيل فوق ترابي حتى صار كل ذرةٍ مني تحفظ اسماً من أسماء الشهداء.
في ذلك اليوم كنتُ حزينةً كما لم تحزن أرضٌ من قبل. احتضنتُ جسد الحسين عليه السلام بلا رأس، وضممتُ الأجساد الطاهرة التي بقيت تحت وهج الشمس المحرقة. كان الليل ثقيلاً، وكانت الريح تبكي معي، حتى ظننتُ أن الحزن سيبقى ساكناً في أرجائي إلى الأبد. وشهدتُ دموع الأطفال الذين أيقظهم اليتم دفعةً واحدة، وسمعتُ أنين النساء الثكالى وهنّ يبحثن بين الأجساد عن أحبةٍ لن يعودوا.
وما زلتُ إلى اليوم أحفظ صدى تلك الأصوات في أعماقي، وأذكر جيداً ذلك الصوت الشامخ الذي اخترق وجع الصحراء؛ صوت السيدة زينب عليها السلام وهي تقف أمام الجسد المقطع وتنادي بحرقةٍ هزّت السماء والأرض: «اللهم تقبّل منا هذا القربان». ومنذ ذلك اليوم بقيت كلماتها ترنّ في أرجائي، وتختلط بهبوب الرياح فوق رمالي، وكأنها عهدٌ أبدي بأن دم الأمام الحسين عليه السلام لن يضيع، وأن رسالة كربلاء ستبقى حيّة ما بقي الليل والنهار.
مرت الأيام والسنون، وتعاقبت الدول والحكام، وحاول كثيرون أن يمحوا أثري. أرادوا أن يطمسوا القبر، وأن يدفنوا الذكرى، وأن يجعلوا من الصمت نهايةً للحكاية. لكنهم لم يدركوا أن الدم الذي سُفك فوق أرضي لم يكن دماً عادياً، بل كان نوراً يزداد إشراقاً كلما حاولوا إخماده.
كنت في بعض العصور مدينةً خائفة، يزورها المحبون سراً. كان الزائر يأتي إليّ وهو يحمل روحه على كفه. يقطع الصحارى والطرق الوعرة ليقف عند قبر أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) ثم يعود مملوءاً بالقوة وكأنه أخذ من ذلك الضريح سراً من أسرار الخلود.
واليوم، بعد مرور تلك القرون الطويلة، أقف مذهولة أمام ما أصبحتُ عليه.
أين تلك الأرض التي احتضنت أجساداً وحيدة بين الرمال؟
ها أنا أرى ملايين القلوب تتدفق نحوي من كل بقاع الأرض. أسمع لغات لا أعرفها، لكنني أفهم معنى الدموع في عيون أصحابها. أرى الشيخ والعجوز، والطفل والشاب، والغني والفقير، جميعهم يسيرون في طريق واحد نحو كربلاء الحسين.
في شهر المحرم الحرام، أرتدي السواد، لكن سوادي ليس لون انكسار، بل لون وفاء. أرى المواكب تنتشر في شوارعي، وأسمع المراثي ترتفع من كل زاوية. وحين يحل الليل، تلمع القباب الذهبية وسط الرايات السوداء، فأشعر أن الحزن تحول إلى رسالة حياة.
أنا كربلاء التي كانت تبكي على الأجساد الطاهرة، فأصبحت اليوم تزهو بذكراهم. لم تعد دموعي دموع ألمٍ فقط، بل صارت دموع فخرٍ واعتزاز. فكل خطوة يخطوها زائر نحوي، وكل كأس ماء يُقدَّم باسم أبي الفضل العباس عليه السلام، وكل دمعة تُسكب على الحسين عليه السلام، هي شهادة متجددة بأن الطف لم تكن معركةً انتهت، بل مدرسة خالدة ما زالت تُعلّم الإنسانية معنى الكرامة والوفاء. وكل كلمة تُنطق بحق أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، وكل لقمةٍ تُقدَّم في مواكب العزاء، وكل فقير يجد في موائدهم الكرم والعطاء، يزيدني فخراً واعتزازاً. ويكفيني شرفاً أن أرضي احتضنت الأجساد الطاهرة للإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه الميامين، الذين جعلوا من دمي معنىً للخلود، ومن ترابي رسالةً لا تنطفئ عبر الزمن.
أما الغاضرية التي كانت يوماً صحراء صامتة، فقد أصبحت اليوم قلب العالم النابض في عاشوراء. الأرض ذاتها، والسماء ذاتها، لكن الفرق أن الدم الذي سُفك عليها قبل قرون أنبت وعياً لا يموت.
أنا كربلاء...
مدينة بدأت قصتها بجثثٍ طاهرة على الرمال، لكنها لم تنته عند القبور. تحولت تلك الأجساد إلى منارات، وتحول الحزن إلى نور، وتحولت الذكرى إلى حياة. ولهذا، كلما أقبل شهر محرم لا أستذكر الماضي فقط، بل أرى المستقبل أيضاً؛ لأن الحسين عليه السلام لم يترك لي قصة موت، بل ترك لي سر الخلود.
ولهذا أبقى، في كل عام، أفتح ذراعي للعاشقين، وأهمس لهم: هنا مرّ الحسين، وهنا سقط جسده، وهنا نهضت الإنسانية من جديد.








اضافةتعليق
التعليقات