طلّت علينا ذكرى ميلاد السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) كفجرٍ صادق يبعث في الأرواح فيضاً من القداسة، ويفتح أمام المرأة المسلمة آفاقاً من السموّ الذي لا يدركه إلا من ارتقى مراقي الإخلاص. إنَّ الاحتفاء بهذه السيدة الجليلة ليس مجرد استحضارٍ لذكرى تاريخية، بل هو وقفة تأمل واعية في منهج حياة جسدته ابنة الإمام الكاظم وأخت الإمام الرضا (عليهما السلام).
هل سألنا انفسنا يوما ما سرُّ اللقب الذي ميز السيدة فاطمة بالمعصومة وهي ليست من المعصومين، إنها العصمة المكتسبة.
فلم يكن لقب "المعصومة" مجرد تشريفٍ لفظي، بل كان شهادةً سماوية على واقعٍ سلوكي فالمعصومة هي التي "عصمت" نفسها عن كل ما يخدش وجه التقوى، وترفعت بكيانها عن دنايا المادة، حتى غدت مرآةً تنعكس عليها أنوار العصمة الكبرى لآبائها الطاهرين.
إن وصولها لهذه المنزلة لم يكن وليد المصادفة، بل كان نتيجة ثباتٍ أخلاقي، وعلمٍ لدني، والتزامٍ فاق التوقعات، وعلى رأس ذلك الالتزام كان "الحجاب" بمفهومه الشمولي، الذي هو سرّ وصول المرأة إلى قمة الكمال الإنساني قبل أن تُسأل عن علمها وعملها.
وسنطرح تباعا ماهو الحجاب الشمولي؟
أولا الحجاب الصوتي: وهو وقارُ المنطق
حين نتدبر في قوله تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ)، ندرك أن الحجاب في الإسلام ليس قطعة قماش تُواري الجسد فحسب، بل هو منظومة وقاية تبدأ من نبرة الصوت فإنَّ الحجاب الصوتي هو ألا يكون كلام المرأة "ليناً" يغري ذوي النفوس الضعيفة، بل يكون كلاماً بليغاً، جاداً، ومحاطاً بسياجٍ من الرزانة. فكما أنَّ الجسد يُستر عن الأعين، فإنَّ رقة الصوت التي قد تثير الفتنة تُستر عن الأسماع، ليكون الحوار روحاً لروح، وعقلاً لعقل، لا جسداً لصوت.
ثانيا الحجاب البدني: الجلبابُ الساتر
ثم تأتي الآية الكريمة: ((يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ))، لتضع الدستور التفصيلي للحجاب الظاهري. "الإدناء" هنا ليس مجرد الوضع بل هو الإحاطة والتدقيق في التستر قدر الإمكان. هو دعوة للمرأة أن تكون في حصنٍ حصين حيث الجلباب يمثل الهيبة والسكينة. إنَّ التدقيق في تفاصيل الحجاب ليس تضييقاً بل هو تعظيمٌ لهذا الكيان الإلهي وهو المرأة المؤمنة، لكي لا تُبتذل بجمالها، بل تُحترم لجلالها.
الحجاب الحركي: سكونُ الهيبة
ولأن الإسلام هندسَ عفة المرأة في أدق تفاصيلها، جاء قوله تعالى: ((وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ))، ليؤسس لما يمكن تسميته بـ "الحجاب الحركي". إن حركة المشي ووقع الأقدام وطريقة التواجد في الفضاء العام يجب أن تكون مغلفة بالحياء. فالحجاب هنا يمنع إثارة الانتباه عبر الحركة أو الصوت الناتج عن الزينة الخفية مما يعني أن العفة سلوكٌ متكامل ينساب في المشية كما ينساب في المنطق
خلاصة الطهر: التكامل الثلاثي
إنَّ مدرسة السيدة المعصومة (عليها السلام) تعلمنا أن الحجاب الحقيقي هو خيمَةٌ من ثلاثة أعمدة:
الحجاب البدني: وهو الستر الذي يحفظ الجسد من نظرات الفضول، والتزامٌ بالجلباب الذي يعكس وقار الانتماء لأهل البيت.
الحجاب الصوتي: وهو صيانة النطق عن الخضوع والتمييع، ليكون الصوت رسالة علمٍ لا وسيلة فتنة.
الحجاب الحركي: وهو وقارُ الهيئة وحياءُ الخطوات، بحيث لا تشير الحركة إلى ما يُستتر من الزينة.
لقد ارتقت السيدة المعصومة لأنها فهمت أنَّ الحجاب هو "تجلٍّ للروح" قبل أن يكون قيداً للمادة. فمن أرادت أن تحشر مع المعصومة فلتنظر في مرآة روحها لحجابها ولتجعل من عفّتها جسراً يعبر بها نحو رضوان الله، فالمؤمنة تُعرف بحيائها قبل علمها، وبسترها قبل فضلها.








اضافةتعليق
التعليقات