خفتت أصوات المصابيح، وهدأت جلبة المصلين وانطوت صفحاتُ شهرٍ كان بمثابة "الموسم الأقدس" لزراعة الأرواح. ها نحن اليوم نقف على أعتاب شهرٍ جديد، يطرح في وجوهنا السؤال الأهم والأنبل: ماذا بعد الزرع؟ هل كان رمضان محطةً عابرة لغسل الأوزار ثم العودة للغرق فيها، أم كان ميلاداً لـ "ذات" جديدة استوعبت فقه الاستمرارية؟
هل وقعنا في فخ الصياد؟
تستحضر ذاكرتنا تلك القصة الرمزية للصياد الذي رُزق بلؤلؤة فَتحت له بها أبواب القصور، فمُنِح وقتاً محدداً لجمع ما يشاء. وجد نفسه أمام ثلاث غرف: غرفة الطعام، وغرفة المنام، وغرفة الذهب. وبدلاً من أن يشغل زمنه المحدود بجمع الجواهر التي تضمن له شراء ممالك بأكملها فيما بعد، استسلم لنداء الجسد، فأضاع الساعات في لذة الأكل والراحة حتى إذا دُقّ ناقوس النهاية، خرج بخفي حنين، نادماً على ذهبٍ كان بين يديه ولم يغترف منه.
هذا التشبيه البليغ هو حالنا مع رمضان؛ فمن انشغل بظواهر العبادة وشكلياتها دون جوهرها أو من اتخذ من التقوى ثوباً مؤقتاً يخلعه ليلة العيد هو كذاك الصياد تماماً. لقد كان الشهر "غرفة الذهب" التي نجمع منها رصيد الاستقامة، فهل غادرناها ونحن نحمل من الجواهر ما يكفينا لمواجهة وحشة الغفلة في بقية العام؟.
إن الاستمرارية في القرب من الله ليست مجرد "تكرار" للأفعال بل هي حصاد معنوي لما غرسناه في الصيام. إن الذي زرع "الصبر" في رمضان لا بد أن يحصده "خُلُقاً" في تعامله مع الناس. والذي زرع "الصلة" مع القرآن، لا يجوز له أن يحصد "الهجر" بعد رحيله.
إن "التجارة مع الله" هي التجارة الوحيدة التي لا تعرف الكساد، شرط ألا تُغلق أبوابها بانقضاء المواسم. فربُّ رمضان هو ربُّ كل الشهور، والغاية من الصيام كانت "لعلكم تتقون"؛ والتقوى حالة قلبيّة مستمرة، وليست طقساً زمنياً ينتهي بظهور هلال شوال.
يا للأسف.. عن العودة إلى "غفلة الغرف"
إن الخسارة الحقيقية ليست في رحيل الأيام، بل في ارتداد القلب إلى عهد الغفلة واللهو. أن نعود لتلك الشواغل التي تسرقنا من ذواتنا ومن خالقنا، وكأننا لم نذق حلاوة المناجاة، ولم نعرف لذة القيام.
إن التحدي الذي يواجهنا الآن هو "ألا ننقض غزلنا من بعد قوة أنكاثاً". فالحصاد الحقيقي يبدأ الآن:
في الثبات على ركعتين في جوف الليل.
في الحفاظ على لسانٍ رطِب بذكر الله.
في تحويل تلك الروحانية إلى طاقة عملٍ وبناء وإحسان.
فلنسأل أنفسنا بصدق: هل أخذنا العبرة من قصة الصياد؟ إن الوقت الذي منَّ الله به علينا هو "رأس مالنا" الوحيد. فلا تجعلوا انشغالكم بـ "طعام وشراب" الدنيا ولهوها ينسيكم ذهب الآخرة وجواهر القرب.
ليكن ما بعد الزرع حصاداً يملأ بيوتنا وقلوبنا نوراً، ولتستمر تلك التجارة الرابحة؛ فالمسافة بيننا وبين الله هي "صدق الاستمرار"، فمن وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟








اضافةتعليق
التعليقات