• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

اجراس صامتة: مذكرات جندي عراقي ​

مروة حسن الجبوري / الثلاثاء 19 ايلول 2017 / حقوق / 7089
شارك الموضوع :

ظلام دامس يحيطه، في قلبه يوقد الاسى، يسلب انفاسه من بين جمرات صدره الحارقة، يطيل النظر الى زاوية الحجرة، ثمة امور في ذاكرته، اشعل قنديله لين

ظلام دامس يحيطه، في قلبه يوقد الاسى، يسلب انفاسه من بين جمرات صدره الحارقة، يطيل النظر الى زاوية الحجرة، ثمة امور في ذاكرته، اشعل قنديله لينير عتمة الحجرة العتيقة، احرق صفحة من صفحات تاريخه ليوقد القنديل، فداخله معتم ايضا لكن بماذا يوقده!، لو احرق صفحات العالم لم يتمكن من انارة قلبه، بقدر ما رأى من ظلام هذا العالم .

افترش البساط العربي وجلس يرتب المكتبة، كعادته كل يوم يتفقد صوره وصور رفاقه، في كل ليلة يتغير حاله وينثر الحنين كما ينثر الورد، وتسقط دموعه كحبات عقد قطعها من لا يعرف قيمة اللؤلؤ، يحتضن صورة ويشم اخرى، وصورة لم يتمكن من رؤيتها ويكتفي بالصمت، في داخل قلبه وميض من الوجع والحسرة، يحدثها وكأنها تنصت له، ويقص عليها تفاصيل يومه، ويسأل عن حالهم وكيف كان يومهم، مع انه يعلم جيدا ان القبور تحكي عن حال اصحابها، وكيف غيرت ملامحهم التراب، حتى اصبحت لا تقوى على رد السلام، فلم تعد تلك الاجساد الجميلة كما هي..

يكفكف دموعه ويعقد اشواقه عند رؤية خيط الفجر، يغفو على ذكريات قضاها معهم في ساحة الحرب، ويرتل اسمائهم بعد كل فريضة ويطلب لهم الرحمة والمغفرة، احمد، علاء، كاظم، حيدر، لكل اسم مكانه وقصة لا يطويها الدهر عند هذا الجندي.

عندما يتبعثر الاحساس وتصبح الكلمات ثقيلة هنا تعرف انك على وشك الانهيار، لولا ان فصحت تلك الاوراق عن لسان هذا الجندي الذي عاش الحرب وخلدها بكتابة المذكرات واحتفظ فيها فنحن لا نعرف ماذا يحصل في ساحة الحرب، وعندما تدق ساعة الصفر، بعد هذه المذكرة سنعرف كيف قضى الجنود يومهم على الساتر..

 كتب من بين رمال الصحراء الحارقة، وجمرة الشمس اللاهبة، تسمع تسابيح وتكبيرات مهللة، يقف على الخط الامامي احمد وعلاء، وعند الخلف كاظم وحيدر، وانا في المتابعة والرصد، كنت استمع الى محادثتهم، واصوات الرصاص تقطع عني همساتهم، يتناغون فيما بينهم، جاءت ايام والطعام لا يصلنا لمحاصرتنا من قبل العدو..

كانوا يتقاسمون ما بقي من الطعام ويكتفي كل منهم بقطعة من الخبز لا تشبع الصغير فكيف بمقاتل يقف لساعات طويلة مع ارتفاع درجات الحرارة، رغم ذلك لم يشعروا بألم الجوع، بل كانوا يتألمون من الفقد، عندما يسقط احد الجنود يضج المكان وكأن من وقع هو اخ لهم، ما زلت اتذكر عندما تصلني المساعدات الغذائية يرفضون ان يستلمونها كما هي ويطلبون من القائد ان يوزعها على الثكنة العسكرية المقابلة لهم، هذه هي انسانيتهم، فبعد هذا الجوع والعطش قطرة ماء تسد رمقهم ورغيف خبز كافٍ لخوض معركة كاملة، اجساد لم يكن همها الطعام، بل كان يشغلها نيل الحرية، وطرد العدو من هذه البقعة.

تائه انا في سرد بطولاتهم، عندما يجن الليل، وتهدأ اصوات الرصاص، يغفا بعضهم على اكتاف بعض، من دون ان يعرف هذا المقاتل من أي دين او قبيلة او حتى من يقلد، تهدأ الارواح وتذهب في عالم النوم، اما انا كنت اجلس في مكان مرتفع اراقب الحركة، واسجل ماكنت اشاهد، ومعي ورقة صفراء وقلم، لم يبقَ منها الا عشرة اسطر، اسطر ما بقي من الجمل في ذاكرتي..

 يطول الليل، ارى لمعة في عنان السماء، تدمع عيني ويخطر في بالي كلام طفلتي الصغيرة عندما كانت ترسم نجمة وسط الدفتر، يضايقني الحنين ويعكر علي صفوتي عندما يأتي بصورة  امي وهي راكعة وتدعو لي، طفلتي وزوجتي، لكل شيء عاش معي، والان رحل بعيدا عني فلا اعرف هل سأعود انا، ام جثتي هي التي تعود!.

أُخبئ احزاني في قارورة داخل صدري، فليست هذه الحرب الوحيدة التي شاركت فيها، ولدي قتل في الحرب الايرانية، واخي قتل في الحرب الطائفية، وابن عمي قتل في الكويت، وابن خالي مفقود، وانا ما زلت على الجبهة، كل من كان معي في هذا المكان كان لديه شهيد ومفقود، حتى اعتاد على حمل السلاح منذ الصغر فنحن ابناء الحروب..

ثرثرتي على هذه الورقة قد تكون رسالة للأجيال القادمة لتعرف معنى النصر، فلا قيمة للحرية ان لم يكن الثمن الدم، يوصي بعضنا البعض عندما يشتد القتال، لم اسمع يوما مقاتلا قال: اوصيك بمالي او عائلتي، جميعهم كانوا مطمئنين، وعندما تبحث في اشيائهم بعد رحيلهم تجد ورقة كتب فيها: ارجو منكم براءة الذمة وتسديد ما كان في ذمتي لانني طلبت مبلغا من المال من اجل الالتحاق الى هنا، وخاتم صغير، وراية خضراء ربطت خلف حقيبته، واخر وجد في حقيبته نسخة من القران الكريم وورقة كتب عليها بعض الاشعار..

 أصبحت عاجزا امام هذه التضحيات، بعد هذه الارواح التي عرجت للسماء ترى ان للقتال طعم خاص لا يألفه كل شخص، حتى ذاق رفاقي طعم الشهادة، وبقيت انا مقطوع الساق وبيدي العكازة، لا اتمكن من السير، أخذت أقلب مذكراتي واتحسر على ما بقي من عمري، بعد كل التضحيات لم يأتِ احد ويقول لي اين وسامك من المعركة، ولو سألوا لقلت تلك الساق التي قطعت هي وسامي وفخري، لكن بعد الانتهاء من المعركة لا احد يستمع الى صرختي، لم يبقَ سوى هذه الاوراق فهي الوحيدة التي تسمع حديثي وتحتضن دمعتي.

لقد عدت لأعيش ما بقي لي من العمر بعد سنوات من القتال والغربة، لم ارَ عائلتي كبقية الاباء، فكانت عائلتي هي البندقية، وعندما استشهد الرجال لم يتذكر احد عوائلهم ويتفقدهم، وان كانت الفضائيات تعرض لكم المساعدات فهذا من اجلهم لا من اجل تلك القطرات الزكية، وان قدموا لشهيد الغالي والنفيس لم يفوا حقه..

 كتبت هذا لاقول لكم اننا ننسى من يضحي من اجلنا لمجرد ان ترجع الامور الى طبيعتها، اما انا لا احتاج الى من يطرق بابي ويتفقد احوالي، لانني عملت واجبي ولست بحاجة الى الشكر او المساعدة، وما يحزنني ويقتلع روحي هو فقدي لرفاقي، فالوحدة صعبة جدا وانت تعيشها بساق واحدة..

 وحيد انا في ركن  الحياة، ضائع لا أعلم ماالذي سيحصل في المستقبل، أين أستقر وهل هناك حرب اخرى تنتظرني؟. ام ابقى كهذه الاجراس المعلقة عند الباب، صامتة لا احد يطرقها. 

العراق
الحروب
الارهاب
الحشد الشعبي
النصر
الحزن
الشهيد
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    التقرير الاعلامي للمجلس العزائي للهيئة الزينبية التابعة لحوزة كربلاء النسوية

    التقرير الاعلامي للمجلس العزائي للهيئة الزينبية التابعة لحوزة كربلاء النسوية

    السبت 08 آب 2026/
    في رحاب العزاء الحسيني.. تقرير نشاطات مؤسسة الإمام الحسن المجتبى

    في رحاب العزاء الحسيني.. تقرير نشاطات مؤسسة الإمام الحسن المجتبى

    السبت 25 تموز 2026/
    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    السبت 18 تموز 2026/
    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    الخميس 09 تموز 2026/
    ماذا بعد الدفن: محطات وجدانية عاشها الإمام زين العابدين

    ماذا بعد الدفن: محطات وجدانية عاشها الإمام زين العابدين

    الأربعاء 01 تموز 2026/
    في ظل قمر بني هاشم: السيدة لبابة ومأثرة الوفاء المشترك

    في ظل قمر بني هاشم: السيدة لبابة ومأثرة الوفاء المشترك

    الأربعاء 24 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    المخاطر الخفية للكعب العالي وتأثيره على جسم المرأة

    امتحان طلب العلم

    أضرار لعق الكلاب والقطط والأمراض التي قد تنقلها إلى الإنسان

    الامتنان.. عادة بسيطة تنعكس على الصحة النفسية والجسدية

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    حين يصبح التأخر تهمة

    من اللوم إلى الوعي: كيف يُصلح الأبناء ما أفسدته التربية الخاطئة؟

    أدوية قد تشكل خطراً في فصل الصيف وتستدعي الحذر

    آخر القراءات

    ماهي العلامات التي تكشف عن نقص المغنيسيوم في الجسم؟

    النشر : الأربعاء 13 تشرين الاول 2021
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    أطعمة مسموحة وأخرى ممنوعة لفرط نشاط الغدة الدرقية

    النشر : الأربعاء 26 آيار 2021
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    كيف تغير طريقة تفكيرك من السلبية إلى الايجابية؟

    النشر : الأثنين 13 تموز 2020
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    السلمون.. أي نوع أنسب لك؟

    النشر : الأثنين 16 كانون الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    التربية الدينية.. سبيل للإرتــقــاء التعليمي

    النشر : الثلاثاء 29 آذار 2022
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    نافذتي سرقت جمالي

    النشر : الأثنين 17 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 916 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 409 مشاهدات

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد

    • 345 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري عليه السلام: القيادة في ظل الرقابة العباسية

    • 341 مشاهدات

    عرض كتاب: فكرة الرسم وكيف يساعدنا الرسم على الملاحظة والاكتشاف والاختراع

    • 321 مشاهدات

    عسر الهضم.. خطوات بسيطة في المنزل قد تساعد على تخفيف الأعراض

    • 313 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 1049 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 916 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 749 مشاهدات

    من جابر إلى صاحب الزمان… فلسفة المشاركة في نهضة الإمام الحسين

    • 644 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 635 مشاهدات

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 615 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    المخاطر الخفية للكعب العالي وتأثيره على جسم المرأة
    • منذ 19 ساعة
    امتحان طلب العلم
    • منذ 19 ساعة
    أضرار لعق الكلاب والقطط والأمراض التي قد تنقلها إلى الإنسان
    • منذ 19 ساعة
    الامتنان.. عادة بسيطة تنعكس على الصحة النفسية والجسدية
    • منذ 19 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة