ما بين دمعة فرح تسقي القلب بحلاوة الوصول، ودمعة انفراج تذيب عن النفس ثقل الفراق، تتفتح أبواب السماء لتستقبل أنين الأرواح وتلهف القلوب..
هناك، حيث الصمت أبلغ من الكلام، ينطق الوجدان بلسانٍ خفيّ، فيحلّق عاليًا بعيدًا عن صخب الدنيا وضجيجها، ليغوص في عمقٍ مكنون، سرٌّ من أسرار الله مودَع في الأرواح، لا يُدرك إلا حين يتعرّى القلب من كل شيء سوى محبة الخالق.
إنها رحلة لا تخضع لقوانين الأرض، ولا تحكمها المسافات ولا الأزمنة، بل هي انسلاخ من ضيق اللحظة إلى رحابة الأبد، عبور من حدود الجسد إلى فضاءات النور، حيث يفيض النداء من قلبٍ مؤمنٍ صادق: "يا رب".
وما أعظمها من كلمة، تختصر كل جراح، وتكسر كل قيد، وتفتح للروح بابًا على بحر الطمأنينة الذي لا ساحل له.
الدعاء ليس مجرد ألفاظ تتصاعد مع النفس، بل هو نافذة سرية بين الأرض والسماء، يطل منها العبد على رحمةٍ لا تنقطع، ويستشعر بها قوةً لا تُضاهى،
به يستعيد الإنسان توازنه، ويشعر أن الحياة مهما ضاقت فهي تحت يد الرحمن، وأن الضعف الذي يرهقه هو في الحقيقة عين القوة، لأنه يدفعه إلى الالتجاء لمن بيده ملكوت كل شيء.
وما أجمل تلك اللحظة التي يتوّجها الدمع! دموع لا تُضعف، بل تغسل، ولا تكسِر، بل تُجبر دموع يضيء بها الوجه كما يضيء الفجر عتمة الليل، لأنها خارجة من روحٍ أيقنت أن السعادة الحقّة ليست في امتلاك الدنيا، بل في الامتداد نحو السماء، حيث الجود بلا حدود، والرحمة بلا قيود، والقدرة بلا نهاية.
إن الوصال الروحي مع الله سبحانه، هو أعلى مراتب السمو، وهو سرّ بهاء الإنسان، وتاج حياته، وزينة روحه..
وما الدعاء إلا سلمٌ نصعد به درجات الصفاء، حتى إذا اكتمل الصعود، وجدنا أنفسنا أقرب مما نظن، وأغنى مما نملك، وأقوى مما نتصور، فليكن الدعاء جسرنا في كل حين، ولتكن دموعنا زادًا للطريق، ولتكن قلوبنا مرآة تعكس حبًّا لا ينطفئ، ووصالًا لا ينقطع، مع رب العزة الذي بيده مفاتيح الوجود، وبإسمه تستقيم الحياة وتُزهر الأرواح.






اضافةتعليق
التعليقات