• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يصبح الموت سلعة... ضياع الضمير في زمن الاستهلاك

زينب شاكر السماك / الأحد 31 آب 2025 / اعلام / 1379
شارك الموضوع :

إن الاستهانة بالموت ليست مسألة عابرة، بل جرح في الوعي الجمعي. الموت، الذي كان قديماً يوقف القلوب

لسنا بحاجة إلى تفاصيل جديدة، ولا إلى تسجيلات إضافية، ولا إلى صخب يعلو فوق صخب. ما حدث مؤلم بما يكفي، لكن ما جرى بعده كان أشد إيلاماً. إن الفاجعة الحقيقية ليست في موت فتاة أو في ظروف غامضة تحيط بها، بل في الطريقة التي تعاملنا بها مع موتها. هنا تتكشف مأساة أكبر: مأساة مجتمع يستهين بالموت، يهتك حرمة الميت، ويركب موجة كل حدث بلا وعي، حتى تحولت القيم الأخلاقية إلى شعارات مهترئة.

إن الاستهانة بالموت ليست مسألة عابرة، بل جرح في الوعي الجمعي. الموت، الذي كان قديماً يوقف القلوب ويذكر الناس بحقيقة مصيرهم، صار عندنا خبراً عاجلاً على شريط الأخبار، أو مقطع فيديو يتداوله الملايين بفضول بارد. فقدنا رهبة الرحيل الأخير، وأصبحنا نستهلك المآسي كما نستهلك أي مادة إعلامية. وفي هذا الاستهلاك المفرط، لم نعد نرى الإنسان الذي رحل، بل صرنا نرى "القصة" فقط، نتداولها ونستهلكها ونتركها حين يظهر غيرها. هذه الاستهانة هي وجه آخر لموت الضمير، لأن من لا يقف عند الموت باحترام، لن يقف عند الحياة بقيمة.

وإذا كان الاستهانة بالموت قد صارت عادة، فإن انتهاك حرمة الميت صار كارثة أكبر. جسد خامد، روح فارقت الدنيا، ومع ذلك تتحول إلى مادة مصوَّرة تُبث للعالم بلا أي وازع من دين أو أخلاق. في ديننا، حرمة الميت أعظم من حرمة الحي، لكننا نحن الذين ندّعي التمسك بالقيم شاركنا – بوعي أو بغير وعي – في هتك هذه الحرمة حين تناقلنا المشاهد، وتلذذنا بمناقشة تفاصيلها. وكأن الميت لم يعد إنساناً له حق الستر، بل مجرد مادة لإثبات المواقف. والأخطر أن كثيرين برروا ذلك بأنهم يريدون "إظهار الحقيقة"، متناسين أن الحقيقة المطلقة بيد الله وحده، وأن دورنا ليس في فضح المستور بل في الدعاء بالرحمة لمن رحل.

لكن الوجه الثالث للمأساة يكمن في ركوب الموجة. نحن شعوب يمكن التأثير في عقولها خلال لحظات، بضغط زر أو بانتشار وسم. نصبح فجأة خبراء في السياسة والاجتماع والدين والنفس، نركض خلف أي قضية، نطلق الأحكام، ثم نتركها حين تأتي موجة أخرى. كل مأساة تُستغل: سياسياً لتصفية الحسابات، عاطفياً لاستدرار الدموع، وإعلامياً لصناعة الترند. لا وقت للعقل ولا مكان للتثبت، المهم أن نكون جزءاً من الضجيج. وهكذا تتحول المأساة إلى فرصة، والموت إلى مادة للاستهلاك، والإنسان إلى سلعة في سوق مفتوح.

الجانب الأخطر أن هذا النمط من السلوك لا يقف عند قضية واحدة، بل يعكس تحولاً خطيراً في وعينا الجمعي. نحن نعيش في زمن تُسحق فيه القيم بسرعة الضوء. موت إنسان لا يوقفنا، وصورة ميت لا تمنعنا من التناقل، وأي موجة لا نتردد في ركوبها. ما الذي بقي إذن من إنسانيتنا؟ هل صار الضمير رفاهية يمكن الاستغناء عنها؟ أم أننا فقدنا الإحساس العميق بأن للروح قداسة لا يحق لنا انتهاكها؟

إن ما جرى هو جرس إنذار: إذا لم نستفق الآن، فكل مأساة قادمة ستتحول إلى عرض إعلامي جديد، وكل روح ستفقد معناها بين الشاشات، وكل ضمير سيواصل الغياب. الفتاة التي رحلت بين يدي الله لا تنتظر منّا محاكمات ولا جدالات، بل دعاءً صادقاً بأن يرحمها ويسترها. أما نحن، فنحن من نحتاج أن نعيد بناء وعينا وأخلاقنا. أن نفهم أن الموت ليس مشهداً نتسلى به، بل درساً نخشع أمامه. أن نؤمن أن الميت ليس مادة للنشر، بل إنسان أمانة يجب ستره. أن نُدرك أن الموجة ليست دائماً حقيقة، بل قد تكون أداة لمسخ العقول.

المسألة في النهاية ليست عن حادثة بعينها، بل عنّا نحن. عن شعوب فقدت الإحساس بقيمة الحياة والموت، وتركت ضميرها يغفو أمام شاشة. وإن كان ثمة مسؤولية حقيقية اليوم، فهي أن نعيد الاعتبار للإنسان، حيّاً وميتاً. أن نتوقف عن استهلاك المآسي، وأن نحفظ للموت قدسيته، وأن نعلّم أبناءنا أن للروح وزناً، وأن للموت حرمة، وأن للضمير دوراً لا يجوز إهماله.

حين نفعل ذلك، ربما نكون قد بدأنا الخطوة الأولى نحو استعادة إنسانيتنا. أما إن واصلنا الركض وراء الموجات، فسنبقى أسرى صخب عابر، يذهب مع الريح، بينما يبقى الموت شاهداً علينا جميعاً.

العراق
المرأة
الموت
مفاهيم
وسائل التواصل الاجتماعي
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/
    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    بين الأمومة والطموح.. نساء غيّرن مساراتهن المهنية من أجل أطفالهن

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الجانب المظلم للذكاء: لماذا يشعر الناجحون أنهم نصابون؟

    آخر القراءات

    ماذا تعرف عن فاكهة دوريان الملكة؟

    النشر : الأثنين 09 تشرين الاول 2023
    اخر قراءة : منذ 29 دقيقة

    خطأ في البرج

    النشر : الأحد 10 نيسان 2016
    اخر قراءة : منذ 29 دقيقة

    قصة لون: لماذا لون سيارة الاجر أصفر؟

    النشر : الخميس 13 ايلول 2018
    اخر قراءة : منذ 29 دقيقة

    هل الحجاب أصبح عصريا؟!

    النشر : الأربعاء 12 تموز 2023
    اخر قراءة : منذ 29 دقيقة

    مامدى ثقافتنا في محاربة الانتحار؟

    النشر : السبت 06 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 29 دقيقة

    استطلاع: جيل زد يبحث عن وظائف ذات رسالة إنسانية رغم التحديات المالية

    النشر : الأربعاء 01 تموز 2026
    اخر قراءة : منذ 29 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 311 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 298 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 296 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 291 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 285 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 283 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1102 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1087 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1037 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 979 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 735 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 647 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • منذ 3 ساعة
    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع
    • منذ 4 ساعة
    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة
    • منذ 4 ساعة
    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك
    • الثلاثاء 15 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة