• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يصبح الموت سلعة... ضياع الضمير في زمن الاستهلاك

زينب شاكر السماك / الأحد 31 آب 2025 / اعلام / 1507
شارك الموضوع :

إن الاستهانة بالموت ليست مسألة عابرة، بل جرح في الوعي الجمعي. الموت، الذي كان قديماً يوقف القلوب

لسنا بحاجة إلى تفاصيل جديدة، ولا إلى تسجيلات إضافية، ولا إلى صخب يعلو فوق صخب. ما حدث مؤلم بما يكفي، لكن ما جرى بعده كان أشد إيلاماً. إن الفاجعة الحقيقية ليست في موت فتاة أو في ظروف غامضة تحيط بها، بل في الطريقة التي تعاملنا بها مع موتها. هنا تتكشف مأساة أكبر: مأساة مجتمع يستهين بالموت، يهتك حرمة الميت، ويركب موجة كل حدث بلا وعي، حتى تحولت القيم الأخلاقية إلى شعارات مهترئة.

إن الاستهانة بالموت ليست مسألة عابرة، بل جرح في الوعي الجمعي. الموت، الذي كان قديماً يوقف القلوب ويذكر الناس بحقيقة مصيرهم، صار عندنا خبراً عاجلاً على شريط الأخبار، أو مقطع فيديو يتداوله الملايين بفضول بارد. فقدنا رهبة الرحيل الأخير، وأصبحنا نستهلك المآسي كما نستهلك أي مادة إعلامية. وفي هذا الاستهلاك المفرط، لم نعد نرى الإنسان الذي رحل، بل صرنا نرى "القصة" فقط، نتداولها ونستهلكها ونتركها حين يظهر غيرها. هذه الاستهانة هي وجه آخر لموت الضمير، لأن من لا يقف عند الموت باحترام، لن يقف عند الحياة بقيمة.

وإذا كان الاستهانة بالموت قد صارت عادة، فإن انتهاك حرمة الميت صار كارثة أكبر. جسد خامد، روح فارقت الدنيا، ومع ذلك تتحول إلى مادة مصوَّرة تُبث للعالم بلا أي وازع من دين أو أخلاق. في ديننا، حرمة الميت أعظم من حرمة الحي، لكننا نحن الذين ندّعي التمسك بالقيم شاركنا – بوعي أو بغير وعي – في هتك هذه الحرمة حين تناقلنا المشاهد، وتلذذنا بمناقشة تفاصيلها. وكأن الميت لم يعد إنساناً له حق الستر، بل مجرد مادة لإثبات المواقف. والأخطر أن كثيرين برروا ذلك بأنهم يريدون "إظهار الحقيقة"، متناسين أن الحقيقة المطلقة بيد الله وحده، وأن دورنا ليس في فضح المستور بل في الدعاء بالرحمة لمن رحل.

لكن الوجه الثالث للمأساة يكمن في ركوب الموجة. نحن شعوب يمكن التأثير في عقولها خلال لحظات، بضغط زر أو بانتشار وسم. نصبح فجأة خبراء في السياسة والاجتماع والدين والنفس، نركض خلف أي قضية، نطلق الأحكام، ثم نتركها حين تأتي موجة أخرى. كل مأساة تُستغل: سياسياً لتصفية الحسابات، عاطفياً لاستدرار الدموع، وإعلامياً لصناعة الترند. لا وقت للعقل ولا مكان للتثبت، المهم أن نكون جزءاً من الضجيج. وهكذا تتحول المأساة إلى فرصة، والموت إلى مادة للاستهلاك، والإنسان إلى سلعة في سوق مفتوح.

الجانب الأخطر أن هذا النمط من السلوك لا يقف عند قضية واحدة، بل يعكس تحولاً خطيراً في وعينا الجمعي. نحن نعيش في زمن تُسحق فيه القيم بسرعة الضوء. موت إنسان لا يوقفنا، وصورة ميت لا تمنعنا من التناقل، وأي موجة لا نتردد في ركوبها. ما الذي بقي إذن من إنسانيتنا؟ هل صار الضمير رفاهية يمكن الاستغناء عنها؟ أم أننا فقدنا الإحساس العميق بأن للروح قداسة لا يحق لنا انتهاكها؟

إن ما جرى هو جرس إنذار: إذا لم نستفق الآن، فكل مأساة قادمة ستتحول إلى عرض إعلامي جديد، وكل روح ستفقد معناها بين الشاشات، وكل ضمير سيواصل الغياب. الفتاة التي رحلت بين يدي الله لا تنتظر منّا محاكمات ولا جدالات، بل دعاءً صادقاً بأن يرحمها ويسترها. أما نحن، فنحن من نحتاج أن نعيد بناء وعينا وأخلاقنا. أن نفهم أن الموت ليس مشهداً نتسلى به، بل درساً نخشع أمامه. أن نؤمن أن الميت ليس مادة للنشر، بل إنسان أمانة يجب ستره. أن نُدرك أن الموجة ليست دائماً حقيقة، بل قد تكون أداة لمسخ العقول.

المسألة في النهاية ليست عن حادثة بعينها، بل عنّا نحن. عن شعوب فقدت الإحساس بقيمة الحياة والموت، وتركت ضميرها يغفو أمام شاشة. وإن كان ثمة مسؤولية حقيقية اليوم، فهي أن نعيد الاعتبار للإنسان، حيّاً وميتاً. أن نتوقف عن استهلاك المآسي، وأن نحفظ للموت قدسيته، وأن نعلّم أبناءنا أن للروح وزناً، وأن للموت حرمة، وأن للضمير دوراً لا يجوز إهماله.

حين نفعل ذلك، ربما نكون قد بدأنا الخطوة الأولى نحو استعادة إنسانيتنا. أما إن واصلنا الركض وراء الموجات، فسنبقى أسرى صخب عابر، يذهب مع الريح، بينما يبقى الموت شاهداً علينا جميعاً.

العراق
المرأة
الموت
مفاهيم
وسائل التواصل الاجتماعي
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    الأحد 18 تشرين الاول 2026/
    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    الأربعاء 07 تشرين الاول 2026/
    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/

    آخر الاضافات

    المكتب الذي دخل البيت ولم يخرج

    المشي على الجهاز أم الجري: أيهما أفضل كتمرين؟

    الفرق بين الوالدين والأبوين ومعنى كل منهما

    الزعفران.. خيوط ذهبية قد تساعد في تخفيف التوتر وتحسين الحالة النفسية

    نادي أصدقاء الكتاب يناقش: سر التوازن

    قصف الطفولة.. كيف تستنزف الشاشات انتباه الأطفال؟

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    الروبيان.. مصدر غني بالبروتين والعناصر الغذائية المفيدة لصحة الجسم

    آخر القراءات

    الاعياء المزمن.. إليكم الأسباب

    النشر : الثلاثاء 03 كانون الأول 2019
    اخر قراءة : منذ 31 دقيقة

    من اللوم إلى الوعي: كيف يُصلح الأبناء ما أفسدته التربية الخاطئة؟

    النشر : الثلاثاء 25 آب 2026
    اخر قراءة : منذ 31 دقيقة

    ماهية العمل في أنشطة المجتمع

    النشر : الأربعاء 10 تموز 2024
    اخر قراءة : منذ 31 دقيقة

    99 مليار دولار إيرادات متوقعة لـ "هواوي" في 2023

    النشر : الأربعاء 03 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 31 دقيقة

    هل تعتبر الفواكه المقطعة خياراً صحياً؟

    النشر : الأثنين 11 كانون الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 32 دقيقة

    التعليم الإلكتروني.. سبب آخر لضياع هيبة المعلم

    النشر : الأربعاء 20 كانون الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 32 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 793 مشاهدات

    أغصان البخل وحجاب اللقاء.. هل نحن فاطميون حقا؟

    • 504 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 473 مشاهدات

    من يملك وقتك؟

    • 421 مشاهدات

    الخدر العاطفي: حين تتوقف الروح عن الشعور

    • 395 مشاهدات

    شهادة السيدة الزهراء وصوت المظلومية

    • 341 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1567 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1162 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1018 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 793 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 713 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 548 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    المكتب الذي دخل البيت ولم يخرج
    • منذ 14 ساعة
    المشي على الجهاز أم الجري: أيهما أفضل كتمرين؟
    • منذ 14 ساعة
    الفرق بين الوالدين والأبوين ومعنى كل منهما
    • منذ 14 ساعة
    الزعفران.. خيوط ذهبية قد تساعد في تخفيف التوتر وتحسين الحالة النفسية
    • منذ 15 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة