• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

بذلٌ وعطاء.. السيدة أم البنين أنموذجاً خالداً

هدى المفرجي / السبت 06 كانون الأول 2025 / تربية / 691
شارك الموضوع :

ولم يكن بذلها مقتصراً على العاطفة، بل تجسد في أعظم مشروع إنساني وهو التربية، فلقد صاغت من أبنائها الأربعة رجالاً أشاوس

هناك في أعماق الروح لحظات صامتة، كأنها أنفاس قادمة من عالم آخر، لحظات لا تُسمع فيها إلا همسات القلب ونبضات الضمير، في هذه اللحظات القدسية، تُطل علينا شرفة الروح، وتهمس في أذن وجداننا: "اقبل.. إنهُ موعد البذل".

إنه النداء الخفي الذي ينتشلنا من ضجر الذات وضيق الأنانية، ليرفعنا إلى فضاءات العطاء الواسعة، فالبذل ليس مجرد كلمة تتهادى على الشفاه، بل هو لغة خاصة تُترجم بأفعال تشبه المعجزات، إنه السر الذي يحول الحياة من وجود مادي إلى قصيدة من نور، تُضيء لصاحبها طريق الخلود، وفي ساحة البذل هذه حيث تتصارع الأنفس بين الشح والعطاء، تبرز لنا قامة شامخة، امرأة جعلت من حياتها كلها وقفاً على الحب والإيمان، امرأة سمت ببذلها ليكون ترنيمة يرددها الأجيال، إنها السيدة أم البنين فاطمة بنت حزام (عليها السلام)، النموذج الذي حول لحظة الهمس إلى ملحمة عطاء تتحدث عنها القرون، كالشمس في كبد السماء، تُضيء الدجى، وترشد السالكين، وتذكر العالم بأن العطاء ليس فعلاً عابراً، بل هو جوهر الوجود وسر الخلود.

بذل في الحب.. يتجاوز الذات

لم تكن أم البنين مجرد زوجة للإمام علي (عليه السلام)، ولم تكن فقط أماً للأبطال الأربعة، بل كانت مدرسة كاملة في التجرد والعطاء، روحاً سخية وهبت نفسها كلها في سبيل مبادئها وقيمها، وإن أعظم أنواع البذل هو أن تبذل مشاعرك، أن تتصاغر أنانيتك في محراب الحب الإلهي والإنساني، فلقد دخلت أم البنين الدار وهي تعلم من ستكون أماً لهم، فلم تحمل في قلبها إلا الحب والوفاء، لم تُفرق بين ولد وولد، بل ربت الحسن والحسين (عليهما السلام) بقلب الأم الحنون، ورعتهما بعينها التي لم تنم، فكانا بالنسبة لها أعز من بصرها وروحها، لقد جسدت مفهوم البذل العاطفي بأسمى معانيه، إنه بذل ينطلق من إيمان عميق، وقلب متسع كالبحر لا يعرف حقداً ولا ضغينة.

ولم يكن بذلها مقتصراً على العاطفة، بل تجسد في أعظم مشروع إنساني وهو التربية، فلقد صاغت من أبنائها الأربعة رجالاً أشاوس، صمدوا في أعتى المحن، وترسخت في قلوبهم مبادئ الولاء والحق منذ نعومة أظفارهم، علمتهم أن الشهادة في سبيل الحق ليست مصيبة، بل هي قمة العز والكرامة، لم تربي فيهم حب الدنيا وزخرفها، بل ربت في صدورهم همة تعلو على الجبال، وإيماناً يثقب السماء، فجاءوا كما أرادت، وكما أراد الله ورسوله، خير سند للإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الطف.

بذل في الصبر.. نسيج من نور ودموع

لقد وصلت ذروة البذل في ذلك اليوم، يوم كربلاء، اليوم الذي اجتمعت فيه كل أنواع العطاء في شخصها، لقد قدمت أربعة من أبنائها قرابين في سبيل الدين، واحداً تلو الآخر، حتى لم يبق منهم أحد، فأي قلب يتحمل نبأ استشهاد فلذات أكبادها الأربعة في ساحة واحدة؟

لكن العظمة هنا لم تكن فقط في التضحية بالأبناء، بل في سمو الروح وعلو الهمة، فالروايات التاريخية تؤكد أن أول سؤال سألته عندما وصلها خبر استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) كان: "كيف أصبح ابني الحسين؟" لقد جعلت مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) فوق مصيبتها، وغمها بفقد أولادها تحت غمها بفقد سبط الرسول (صلى الله عليه وآله)، إنه بذل يتجاوز المألوف، نالت به ذلك المقام الرفيع عند الله، فلم تبكِ على أبنائها أمام الناس، بل حفظت دمعة العين لتفجرها في الصلاة والمناجاة، كانت دموعها سراً بينها وبين ربها، أما في العلن، فكانت صابرة محتسبة، تروي مصيبة كربلاء للأطفال والنساء، لتبقى القضية حية، والدمعة جارية.

فالسلام على تلك الروح العظيمة التي ترسل لنا رسالة عبر الأزمان في معاني العطاء والقلب الباحث عن الخلود، وسيرتها ليست مجرد صفحات من الماضي نقرأها بدمع متحجر، بل هي منهج حياة نعيشه بأنفاسنا في زمن طغت فيه المادة وتفشت الأنانية، تأتي هذه السيرة العطرة لتعلمنا في هذا الزمن الصاخب، حيث تتصارع الأصوات ويتزاحم البشر، والقلوب تزداد وحشة، حيث أصبحت فيه "الأنا" هي البطل، فيصدح فعلها من عمق التاريخ ليصدمنا بسؤال وجودي:

أين أنت من البذل؟

ليس بذل المال فحسب، بل بذل المشاعر الذي أصبح أغلى من الماس، بذل كلمة طيبة في وجه أخٍ حزين، بذل ساعة من وقتك لصديق يحتاج لأذن تسمعه، بذل غض الطرف عن زلة، بذل شكر لمن يستحق، بذل صبر على من نحب، انظر حولك أمك التي تنتظر اتصالك، زوجتك التي تتوق إلى كلمة تقدير، صديقك الذي يخفي هموما، أبوك الذي يعطي دون أن يتكلم، جارك الذي قد يكون في أمس الحاجة لصحبة، كل هذا يسألك عن البذل، فزماننا ليس معركة في أرض، بل معركة في كل قلب، معركة بين أنانية تهمس لك: "احفظ نفسك لنفسك"، وروح العطاء التي تناديك: "أنت جزء من كُلٍ أكبر"، فالبذل الحقيقي ليس أن تعطي ما فاض عنك، بل أن تعطي ما هو جزء منك، أن تعطي من وقتك، من مشاعرك، من اهتمامك، من حضورك، ولا تنتظر حتى تصبح غنياً كي تبذل، فأغنى الناس قلوباً هم الأكثر عطاء، ويمكنك أن تبدأ من حيث أنت:

· ابتسم.. فهذا بذل

· استمع.. فهذا عطاء

· سامح.. فهذه حرية

· اشكر.. فهذا اعتراف بالجميل.

لتكن حياتك قصيدة عطاء كما كانت حياة السيدة أم البنين (عليها السلام)، ففي النهاية لن يُسأل الإنسان كم جمع، بل كم أعطى، لن يُسأل عن مكانته بين الناس، بل عن قلبه بينهم، إنها تخبر قلبك أن لا تدع قسوة العالم تقسيك، لا تدع خيبات الأمس تمنعك عن عطاء اليوم، ابذل لأن في العطاء حياة أخرى للقلب، ومساحة من النقاء لا تصل إليها أنانية العالمين، ابذل فالعطاء هو أجمل لغات الوجود، وأصدق تعبير عن أنك حي.

كربلاء
اهل البيت
التربية
السلوك
ام البنين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    الثلاثاء 11 آب 2026/
    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    الأحد 09 آب 2026/
    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الخميس 30 تموز 2026/
    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    السبت 25 تموز 2026/
    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الأثنين 20 تموز 2026/
    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    الخميس 16 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    تقبّل.. فما حدث قد حدث

    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية

    الإمام الحسن العسكري عليه السلام: القيادة في ظل الرقابة العباسية

    مد يد العون وأهمية النصيحة

    عرض كتاب: فكرة الرسم وكيف يساعدنا الرسم على الملاحظة والاكتشاف والاختراع

    عسر الهضم.. خطوات بسيطة في المنزل قد تساعد على تخفيف الأعراض

    آخر القراءات

    قوة الشخصية: كيف تصبح الفتاة قوية في المجتمع؟

    النشر : الأربعاء 29 ايلول 2021
    اخر قراءة : منذ 20 دقيقة

    احتواء المشاكل الزوجية

    النشر : السبت 02 آيار 2026
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    في ذكرى جدتي التاسعة عشرة

    النشر : الأثنين 05 آيار 2025
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    توأم الروح!

    النشر : الأحد 29 كانون الأول 2019
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    زوجات.. ما بعد الشهادة

    النشر : الأحد 15 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    ما هي أفضل طريقة لتناول بذور الشيا؟ 

    النشر : الثلاثاء 19 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 821 مشاهدات

    جمعية المودة والازدهار تنظم جلسة حول هندسة الوعي وبناء الحصانة الفكرية في المنتدى النسوي

    • 401 مشاهدات

    أفكار ذكية لغرفة المعيشة في شقة اقتصادية

    • 395 مشاهدات

    الوداع النبويّ .. وقبلة الأحزان في خطر

    • 350 مشاهدات

    حقن نفسه ببكتيريا عمرها 3.5 مليون سنة: هل اكتشف إكسير الخلود أم فتح أبواب الجحيم البيولوجي؟

    • 308 مشاهدات

    الإفراط في تصفح الإنترنت قد يفاقم التوتر والمشاعر السلبية.. دراسة تكشف السبب

    • 301 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 1012 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 821 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 729 مشاهدات

    من جابر إلى صاحب الزمان… فلسفة المشاركة في نهضة الإمام الحسين

    • 626 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 602 مشاهدات

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 596 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد
    • منذ 9 ساعة
    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة
    • منذ 9 ساعة
    تقبّل.. فما حدث قد حدث
    • منذ 9 ساعة
    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية
    • منذ 9 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة