• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

بذلٌ وعطاء.. السيدة أم البنين أنموذجاً خالداً

هدى المفرجي / السبت 06 كانون الأول 2025 / تربية / 770
شارك الموضوع :

ولم يكن بذلها مقتصراً على العاطفة، بل تجسد في أعظم مشروع إنساني وهو التربية، فلقد صاغت من أبنائها الأربعة رجالاً أشاوس

هناك في أعماق الروح لحظات صامتة، كأنها أنفاس قادمة من عالم آخر، لحظات لا تُسمع فيها إلا همسات القلب ونبضات الضمير، في هذه اللحظات القدسية، تُطل علينا شرفة الروح، وتهمس في أذن وجداننا: "اقبل.. إنهُ موعد البذل".

إنه النداء الخفي الذي ينتشلنا من ضجر الذات وضيق الأنانية، ليرفعنا إلى فضاءات العطاء الواسعة، فالبذل ليس مجرد كلمة تتهادى على الشفاه، بل هو لغة خاصة تُترجم بأفعال تشبه المعجزات، إنه السر الذي يحول الحياة من وجود مادي إلى قصيدة من نور، تُضيء لصاحبها طريق الخلود، وفي ساحة البذل هذه حيث تتصارع الأنفس بين الشح والعطاء، تبرز لنا قامة شامخة، امرأة جعلت من حياتها كلها وقفاً على الحب والإيمان، امرأة سمت ببذلها ليكون ترنيمة يرددها الأجيال، إنها السيدة أم البنين فاطمة بنت حزام (عليها السلام)، النموذج الذي حول لحظة الهمس إلى ملحمة عطاء تتحدث عنها القرون، كالشمس في كبد السماء، تُضيء الدجى، وترشد السالكين، وتذكر العالم بأن العطاء ليس فعلاً عابراً، بل هو جوهر الوجود وسر الخلود.

بذل في الحب.. يتجاوز الذات

لم تكن أم البنين مجرد زوجة للإمام علي (عليه السلام)، ولم تكن فقط أماً للأبطال الأربعة، بل كانت مدرسة كاملة في التجرد والعطاء، روحاً سخية وهبت نفسها كلها في سبيل مبادئها وقيمها، وإن أعظم أنواع البذل هو أن تبذل مشاعرك، أن تتصاغر أنانيتك في محراب الحب الإلهي والإنساني، فلقد دخلت أم البنين الدار وهي تعلم من ستكون أماً لهم، فلم تحمل في قلبها إلا الحب والوفاء، لم تُفرق بين ولد وولد، بل ربت الحسن والحسين (عليهما السلام) بقلب الأم الحنون، ورعتهما بعينها التي لم تنم، فكانا بالنسبة لها أعز من بصرها وروحها، لقد جسدت مفهوم البذل العاطفي بأسمى معانيه، إنه بذل ينطلق من إيمان عميق، وقلب متسع كالبحر لا يعرف حقداً ولا ضغينة.

ولم يكن بذلها مقتصراً على العاطفة، بل تجسد في أعظم مشروع إنساني وهو التربية، فلقد صاغت من أبنائها الأربعة رجالاً أشاوس، صمدوا في أعتى المحن، وترسخت في قلوبهم مبادئ الولاء والحق منذ نعومة أظفارهم، علمتهم أن الشهادة في سبيل الحق ليست مصيبة، بل هي قمة العز والكرامة، لم تربي فيهم حب الدنيا وزخرفها، بل ربت في صدورهم همة تعلو على الجبال، وإيماناً يثقب السماء، فجاءوا كما أرادت، وكما أراد الله ورسوله، خير سند للإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الطف.

بذل في الصبر.. نسيج من نور ودموع

لقد وصلت ذروة البذل في ذلك اليوم، يوم كربلاء، اليوم الذي اجتمعت فيه كل أنواع العطاء في شخصها، لقد قدمت أربعة من أبنائها قرابين في سبيل الدين، واحداً تلو الآخر، حتى لم يبق منهم أحد، فأي قلب يتحمل نبأ استشهاد فلذات أكبادها الأربعة في ساحة واحدة؟

لكن العظمة هنا لم تكن فقط في التضحية بالأبناء، بل في سمو الروح وعلو الهمة، فالروايات التاريخية تؤكد أن أول سؤال سألته عندما وصلها خبر استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) كان: "كيف أصبح ابني الحسين؟" لقد جعلت مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) فوق مصيبتها، وغمها بفقد أولادها تحت غمها بفقد سبط الرسول (صلى الله عليه وآله)، إنه بذل يتجاوز المألوف، نالت به ذلك المقام الرفيع عند الله، فلم تبكِ على أبنائها أمام الناس، بل حفظت دمعة العين لتفجرها في الصلاة والمناجاة، كانت دموعها سراً بينها وبين ربها، أما في العلن، فكانت صابرة محتسبة، تروي مصيبة كربلاء للأطفال والنساء، لتبقى القضية حية، والدمعة جارية.

فالسلام على تلك الروح العظيمة التي ترسل لنا رسالة عبر الأزمان في معاني العطاء والقلب الباحث عن الخلود، وسيرتها ليست مجرد صفحات من الماضي نقرأها بدمع متحجر، بل هي منهج حياة نعيشه بأنفاسنا في زمن طغت فيه المادة وتفشت الأنانية، تأتي هذه السيرة العطرة لتعلمنا في هذا الزمن الصاخب، حيث تتصارع الأصوات ويتزاحم البشر، والقلوب تزداد وحشة، حيث أصبحت فيه "الأنا" هي البطل، فيصدح فعلها من عمق التاريخ ليصدمنا بسؤال وجودي:

أين أنت من البذل؟

ليس بذل المال فحسب، بل بذل المشاعر الذي أصبح أغلى من الماس، بذل كلمة طيبة في وجه أخٍ حزين، بذل ساعة من وقتك لصديق يحتاج لأذن تسمعه، بذل غض الطرف عن زلة، بذل شكر لمن يستحق، بذل صبر على من نحب، انظر حولك أمك التي تنتظر اتصالك، زوجتك التي تتوق إلى كلمة تقدير، صديقك الذي يخفي هموما، أبوك الذي يعطي دون أن يتكلم، جارك الذي قد يكون في أمس الحاجة لصحبة، كل هذا يسألك عن البذل، فزماننا ليس معركة في أرض، بل معركة في كل قلب، معركة بين أنانية تهمس لك: "احفظ نفسك لنفسك"، وروح العطاء التي تناديك: "أنت جزء من كُلٍ أكبر"، فالبذل الحقيقي ليس أن تعطي ما فاض عنك، بل أن تعطي ما هو جزء منك، أن تعطي من وقتك، من مشاعرك، من اهتمامك، من حضورك، ولا تنتظر حتى تصبح غنياً كي تبذل، فأغنى الناس قلوباً هم الأكثر عطاء، ويمكنك أن تبدأ من حيث أنت:

· ابتسم.. فهذا بذل

· استمع.. فهذا عطاء

· سامح.. فهذه حرية

· اشكر.. فهذا اعتراف بالجميل.

لتكن حياتك قصيدة عطاء كما كانت حياة السيدة أم البنين (عليها السلام)، ففي النهاية لن يُسأل الإنسان كم جمع، بل كم أعطى، لن يُسأل عن مكانته بين الناس، بل عن قلبه بينهم، إنها تخبر قلبك أن لا تدع قسوة العالم تقسيك، لا تدع خيبات الأمس تمنعك عن عطاء اليوم، ابذل لأن في العطاء حياة أخرى للقلب، ومساحة من النقاء لا تصل إليها أنانية العالمين، ابذل فالعطاء هو أجمل لغات الوجود، وأصدق تعبير عن أنك حي.

كربلاء
اهل البيت
التربية
السلوك
ام البنين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    اكسير الحياة وكيمياءُ الروح

    النشر : السبت 15 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    غانم المفتاح: المعجزة

    النشر : الأربعاء 07 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    كتب تَبْنِي مجتمعات

    النشر : الأربعاء 12 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    انخفاض عدد ساعات النوم يرفع من أخطار أمراض القلب

    النشر : الأحد 01 حزيران 2025
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    هل يمكن أن يكون الخجل شيئًا خطيرا على الأطفال؟!

    النشر : الخميس 04 آيار 2023
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    ماهو الرابط بين التدخين وكورونا؟

    النشر : الأحد 22 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 312 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 310 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 303 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 300 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 299 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 293 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 763 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 517 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 490 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 488 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 14 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 14 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 14 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة