• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

بذلٌ وعطاء.. السيدة أم البنين أنموذجاً خالداً

هدى المفرجي / السبت 06 كانون الأول 2025 / تربية / 684
شارك الموضوع :

ولم يكن بذلها مقتصراً على العاطفة، بل تجسد في أعظم مشروع إنساني وهو التربية، فلقد صاغت من أبنائها الأربعة رجالاً أشاوس

هناك في أعماق الروح لحظات صامتة، كأنها أنفاس قادمة من عالم آخر، لحظات لا تُسمع فيها إلا همسات القلب ونبضات الضمير، في هذه اللحظات القدسية، تُطل علينا شرفة الروح، وتهمس في أذن وجداننا: "اقبل.. إنهُ موعد البذل".

إنه النداء الخفي الذي ينتشلنا من ضجر الذات وضيق الأنانية، ليرفعنا إلى فضاءات العطاء الواسعة، فالبذل ليس مجرد كلمة تتهادى على الشفاه، بل هو لغة خاصة تُترجم بأفعال تشبه المعجزات، إنه السر الذي يحول الحياة من وجود مادي إلى قصيدة من نور، تُضيء لصاحبها طريق الخلود، وفي ساحة البذل هذه حيث تتصارع الأنفس بين الشح والعطاء، تبرز لنا قامة شامخة، امرأة جعلت من حياتها كلها وقفاً على الحب والإيمان، امرأة سمت ببذلها ليكون ترنيمة يرددها الأجيال، إنها السيدة أم البنين فاطمة بنت حزام (عليها السلام)، النموذج الذي حول لحظة الهمس إلى ملحمة عطاء تتحدث عنها القرون، كالشمس في كبد السماء، تُضيء الدجى، وترشد السالكين، وتذكر العالم بأن العطاء ليس فعلاً عابراً، بل هو جوهر الوجود وسر الخلود.

بذل في الحب.. يتجاوز الذات

لم تكن أم البنين مجرد زوجة للإمام علي (عليه السلام)، ولم تكن فقط أماً للأبطال الأربعة، بل كانت مدرسة كاملة في التجرد والعطاء، روحاً سخية وهبت نفسها كلها في سبيل مبادئها وقيمها، وإن أعظم أنواع البذل هو أن تبذل مشاعرك، أن تتصاغر أنانيتك في محراب الحب الإلهي والإنساني، فلقد دخلت أم البنين الدار وهي تعلم من ستكون أماً لهم، فلم تحمل في قلبها إلا الحب والوفاء، لم تُفرق بين ولد وولد، بل ربت الحسن والحسين (عليهما السلام) بقلب الأم الحنون، ورعتهما بعينها التي لم تنم، فكانا بالنسبة لها أعز من بصرها وروحها، لقد جسدت مفهوم البذل العاطفي بأسمى معانيه، إنه بذل ينطلق من إيمان عميق، وقلب متسع كالبحر لا يعرف حقداً ولا ضغينة.

ولم يكن بذلها مقتصراً على العاطفة، بل تجسد في أعظم مشروع إنساني وهو التربية، فلقد صاغت من أبنائها الأربعة رجالاً أشاوس، صمدوا في أعتى المحن، وترسخت في قلوبهم مبادئ الولاء والحق منذ نعومة أظفارهم، علمتهم أن الشهادة في سبيل الحق ليست مصيبة، بل هي قمة العز والكرامة، لم تربي فيهم حب الدنيا وزخرفها، بل ربت في صدورهم همة تعلو على الجبال، وإيماناً يثقب السماء، فجاءوا كما أرادت، وكما أراد الله ورسوله، خير سند للإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الطف.

بذل في الصبر.. نسيج من نور ودموع

لقد وصلت ذروة البذل في ذلك اليوم، يوم كربلاء، اليوم الذي اجتمعت فيه كل أنواع العطاء في شخصها، لقد قدمت أربعة من أبنائها قرابين في سبيل الدين، واحداً تلو الآخر، حتى لم يبق منهم أحد، فأي قلب يتحمل نبأ استشهاد فلذات أكبادها الأربعة في ساحة واحدة؟

لكن العظمة هنا لم تكن فقط في التضحية بالأبناء، بل في سمو الروح وعلو الهمة، فالروايات التاريخية تؤكد أن أول سؤال سألته عندما وصلها خبر استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) كان: "كيف أصبح ابني الحسين؟" لقد جعلت مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) فوق مصيبتها، وغمها بفقد أولادها تحت غمها بفقد سبط الرسول (صلى الله عليه وآله)، إنه بذل يتجاوز المألوف، نالت به ذلك المقام الرفيع عند الله، فلم تبكِ على أبنائها أمام الناس، بل حفظت دمعة العين لتفجرها في الصلاة والمناجاة، كانت دموعها سراً بينها وبين ربها، أما في العلن، فكانت صابرة محتسبة، تروي مصيبة كربلاء للأطفال والنساء، لتبقى القضية حية، والدمعة جارية.

فالسلام على تلك الروح العظيمة التي ترسل لنا رسالة عبر الأزمان في معاني العطاء والقلب الباحث عن الخلود، وسيرتها ليست مجرد صفحات من الماضي نقرأها بدمع متحجر، بل هي منهج حياة نعيشه بأنفاسنا في زمن طغت فيه المادة وتفشت الأنانية، تأتي هذه السيرة العطرة لتعلمنا في هذا الزمن الصاخب، حيث تتصارع الأصوات ويتزاحم البشر، والقلوب تزداد وحشة، حيث أصبحت فيه "الأنا" هي البطل، فيصدح فعلها من عمق التاريخ ليصدمنا بسؤال وجودي:

أين أنت من البذل؟

ليس بذل المال فحسب، بل بذل المشاعر الذي أصبح أغلى من الماس، بذل كلمة طيبة في وجه أخٍ حزين، بذل ساعة من وقتك لصديق يحتاج لأذن تسمعه، بذل غض الطرف عن زلة، بذل شكر لمن يستحق، بذل صبر على من نحب، انظر حولك أمك التي تنتظر اتصالك، زوجتك التي تتوق إلى كلمة تقدير، صديقك الذي يخفي هموما، أبوك الذي يعطي دون أن يتكلم، جارك الذي قد يكون في أمس الحاجة لصحبة، كل هذا يسألك عن البذل، فزماننا ليس معركة في أرض، بل معركة في كل قلب، معركة بين أنانية تهمس لك: "احفظ نفسك لنفسك"، وروح العطاء التي تناديك: "أنت جزء من كُلٍ أكبر"، فالبذل الحقيقي ليس أن تعطي ما فاض عنك، بل أن تعطي ما هو جزء منك، أن تعطي من وقتك، من مشاعرك، من اهتمامك، من حضورك، ولا تنتظر حتى تصبح غنياً كي تبذل، فأغنى الناس قلوباً هم الأكثر عطاء، ويمكنك أن تبدأ من حيث أنت:

· ابتسم.. فهذا بذل

· استمع.. فهذا عطاء

· سامح.. فهذه حرية

· اشكر.. فهذا اعتراف بالجميل.

لتكن حياتك قصيدة عطاء كما كانت حياة السيدة أم البنين (عليها السلام)، ففي النهاية لن يُسأل الإنسان كم جمع، بل كم أعطى، لن يُسأل عن مكانته بين الناس، بل عن قلبه بينهم، إنها تخبر قلبك أن لا تدع قسوة العالم تقسيك، لا تدع خيبات الأمس تمنعك عن عطاء اليوم، ابذل لأن في العطاء حياة أخرى للقلب، ومساحة من النقاء لا تصل إليها أنانية العالمين، ابذل فالعطاء هو أجمل لغات الوجود، وأصدق تعبير عن أنك حي.

كربلاء
اهل البيت
التربية
السلوك
ام البنين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    الثلاثاء 11 آب 2026/
    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    الأحد 09 آب 2026/
    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الخميس 30 تموز 2026/
    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    السبت 25 تموز 2026/
    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الأثنين 20 تموز 2026/
    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    الخميس 16 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    من المدينة إلى خراسان.. رحلة الإمام الرضا وحديث السلسلة الذهبي

    الذكاء الاصطناعي يصمم فيروسات لم تعرفها الطبيعة.. إنجاز علمي يثير مخاوف بيولوجية

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    الأدب مع رسول الله.. بين تعظيم النبوّة ورزية الخميس

    الإثنين الدامع وفاتحة الرزايا

    استشهاد النبي محمد: قراءة فلسفية وتربوية في معنى الفقد واستمرار الرسالة

    آخر القراءات

    الضوء الأزرق: هل حقاً يسبب لنا الأرق ويزيد خطر الإصابة بمرض السرطان؟

    النشر : الأحد 07 تشرين الاول 2018
    اخر قراءة : منذ 4 دقائق

    تعاون الفرق عن بعد أساس لنجاحها

    النشر : الخميس 05 كانون الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 4 دقائق

    النوم: وقاية وعلاج

    النشر : الأثنين 08 حزيران 2015
    اخر قراءة : منذ 4 دقائق

    المباهلة.. الشاهد القاطع على إمامة أمير المؤمنين

    النشر : الثلاثاء 02 تموز 2024
    اخر قراءة : منذ 5 دقائق

    نقش في حضرة التابوت!

    النشر : الأحد 24 آذار 2019
    اخر قراءة : منذ 5 دقائق

    ماذا تعرف عن رسالتك كإنسان في الأرض؟

    النشر : السبت 17 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 5 دقائق

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 722 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 660 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 534 مشاهدات

    التقرير الاعلامي للمجلس العزائي للهيئة الزينبية التابعة لحوزة كربلاء النسوية

    • 474 مشاهدات

    الأدب مع رسول الله.. بين تعظيم النبوّة ورزية الخميس

    • 438 مشاهدات

    عالم متعدّد بقلب واحد نحو الحسين

    • 295 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1151 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 832 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 722 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 678 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 660 مشاهدات

    السيدة رقية: درسُ العشق في مدرسةِ الصبر

    • 594 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس
    • منذ 18 ساعة
    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير
    • منذ 18 ساعة
    من المدينة إلى خراسان.. رحلة الإمام الرضا وحديث السلسلة الذهبي
    • منذ 18 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يصمم فيروسات لم تعرفها الطبيعة.. إنجاز علمي يثير مخاوف بيولوجية
    • منذ 19 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة