• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

بلا هدف.. لكنه يحمل المعنى

هدى المفرجي / الثلاثاء 19 آب 2025 / ثقافة / 962
شارك الموضوع :

فيما أكتب أنا هذه الحروف، أسمع صوت أمّي الشجيّ يُطربني بشكر الله، وهي في الحقيقة نعمتي التي ميّزتها

حروفه تسقط كأوراق الخريف الميتة، تُحاكي فراغًا لا قاع له، بينما تُنادي سكينته الغافلة صمتًا أشبه بصُراخ مختنق، فيحذّره عقله: "إيّاك والتمرّد"، ثم يضحك بمرارة تذوب فيها كل آماله: "أيّ حياةٍ هذه؟ وأيّ أملٍ ترميه بين يديّ كالفُتات؟ حتى الله قد نسيني!" ينطقها بحزنٍ مبهم.

ثم يمتدّ به اليوم كظلٍ طويل يجرّ أذيال النقم بدل النِّعَم، يشتكي ويتساءل وينظر إلى السماء بعينين تشبهان قبرًا مفتوحًا، ويجرّ ساقيه من على سريرٍ مريح، يدفع عنه الغطاء وكأنّه يرفض دفئًا لم يعد يستحقّه، بينما المكيّف يُذكّره بأنّ "الحرّ" مجرّد كلمة في قاموسٍ لم يقرأه. يمسك هاتفه بيديه السليمتين، يتجوّل بين تطبيقات تعرض له العالم: مجاعة هنا، دمٌ هناك، طفلٌ يبكي تحت الأنقاض، لكنّ أصابعه تتمرّغ في البرودة وتلمس شاشةً من زجاج لا تشعر، متصفّحًا كتالوج ألمٍ لا يعنيه.

فتتنوع الصور بين معاناة الأطفال تحت الأنقاض، وجائعٍ يُقارب على الموت، فيُقلّب الصور بمللٍ شديد، حتى ظهر له من عمق مجتمعه ومدينته الفتى بلا يدين، يسير نحو كربلاء بقلبٍ يجرّ الجبال، فتتوقّف الحروف في حلقه، يشعر أنّ الكون كلّه يضحك عليه، فبينما يرفض الخروج من شدّة الحر، هناك من لا يملك إلا الإرادة، يصنع الفارق، ويملأ الطريق، ولا يهتمّ إن كان معه معيل أم لا، فهو يعلم أنّ الذي ألهمه الهمّة لن يتركه في طريق الحق. وأنت، كلّ نعمةٍ بين يديك تحوّلها إلى سجن.

وفي زاوية الغرفة، يظهر ظلّه، ذلك الغريب الذي يراقبه منذ أيام، منذ أن قرّر أن الحياة مجرّد غفوة بين اليأس والملل، فيسأله بخوف: "مَن أنت؟"

انعكاسه يردّ: "أنت... لكن حين ترفض نعمة العيش."

يصمت، فيكمل الظلّ بصوتٍ كالرعد: "أتدري كم قلبًا توقّف اليوم وهو يحلم بأن يملك دقيقة من وقتك الضائع؟ كم عينًا تمنت أن ترى ما تراه أنت، ثم تُغمضها الدماء؟"

وبنبرةٍ حادّة، منبّهًا إيّاه: "استيقظ قبل أن تتحوّل النعم إلى حجارة على صدرك، وقبل أن تدرك أن اللا معنى خاصّتك لم يكن إلا وهمًا صنعته أنت وفات أوانه، بينما المعنى كان يناديك طوال الوقت."

تدمع عيناه فجأة، كأنّما الظلّ فتح نافذةً في جدارٍ كان يحبس فيه روحه، يسمع همسًا داخليًا: "الهدف لم يغب، أنت من أغمض عينيه." فيهزّ رأسه، ويخرج من غرفته مسرعًا كمن يخاف أن يفوته القطار، فيجد كوب الشاي على المائدة ما زال دافئًا، وصوت أمه بجانبه، نعمة لا تُحصى، تُخبره قائلة: "بُنيّ، غداء اليوم هو طبقك المفضّل."

في تلك اللحظة، يكتشف أنه كان يبحث عن المعنى في كلّ مكان إلا حيث وُضِع له منذ البداية: حيث محيطه، ونعمه، وحياته هو، لا غيره.

النعمة بين عطاء الشكر وجحود النكران

في دوّامة الحياة، تُسلب النعم من بين أيدينا ونحن غارقون في غفلةٍ مركّبة، بين رفضٍ متعجرف، وجحودٍ مستكبر، وقلّةِ رضًا تفقدنا بركة ما نملك، فنرمي النعم وراء ظهورنا كأنها أعباء، حتى إذا فارقتنا، التفتنا إليها بلهفة الظمآن إلى قطرة ماء. فيا ليت اللقمة التي أهدرناها بطرًا تعود إلينا، ويا ليت العطش يعلّمنا قيمة النبع الذي كنّا نغوص فيه.

وفي هذا السياق، يبرز قول أمير المؤمنين (عليه السلام) نورًا يضيء طريق الشاكرين:

"إذا وصلت إليكم أطراف النِّعَم، فلا تنفّروا أقصاها بقلّة الشكر"، مبينًا أنّ الشكر ليس مجرّد كلمات تُقال، بل هو عهدٌ بين العبد وربّه، يحفظ به نعيم الدنيا، ويستجلب به مزيد الفضل. فالله عزّ وجلّ قد تكفّل برزق كلّ مخلوق، لكن الزيادة والبركة تُمنحان لمن أدرك لسان الامتنان، فجعل قلبه مرآةً تعكس عظمة المُنعِم.

وهنا يأتي البيان الإلهي ليرسي قاعدةً ذهبية بقوله تعالى:

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

فالشكر مفتاح الزيادة، والنكران سبيل الزوال. حتى الجماد، والحيوان، والنبات يشكر خالقَه بلغته الخاصّة، فكيف بالإنسان، وهو سيّد المخلوقات؟

ولطالما كانت الحكمة الإلهية تختبر العباد بالنِّعَم؛ فتزيدها ليروا صدقهم، أو تسلبها ليدركوا تقصيرهم. فما أقسى لحظة اليقظة حين تتبخّر النعمة ويُفتح الباب للندم على نعمٍ لا تُعد، وحمدٍ لا ينقطع.

فكم ردّ الله عنّا شرّ حاسدٍ غارقٍ في حسرته، وكم جنّبنا أهوالًا تهزّ القلوب رعبًا، فنحن في أمانٍ بينما غيرنا محاصر بالخوف، وفي صحّةٍ بينما آخرون يُقاسون آلام السقم، وأحرارٌ بينما يُكبّل المظلومون بقيود السجون، وفي سكينةٍ بينما تنهش أراضٍ أخرى بنيران الحروب.

وكلّ هذا الفضل، ليس بفضلنا، بل هو عطاء من ربٍّ كريم، فكيف لا نسبّح بحمده؟ وكيف لا نسجد شكرًا على نعمة صوت أمٍّ حانية، أو دفء بيتٍ آمن، أو رغيف خبزٍ يُشبع جوعًا؟ فالشكر ليس ردّ فعلٍ عابرًا، بل هو فلسفة حياة، هو أن ترى يد الله في كل شيء، أن تعيش اللحظة بقلبٍ ممتلئ باليقين.

وفيما أكتب أنا هذه الحروف، أسمع صوت أمّي الشجيّ يُطربني بشكر الله، وهي في الحقيقة نعمتي التي ميّزتها في لحظتي هذه، فكثير قد غاب عنهم صوت "جِنانهم"، وأنا أنعم بدفء جنتي.

هي كلمات كتبتُها بلا هدف، فكلٌّ منّا يحمل هدفًا مختلفًا، ولكنّنا نجتمع بذات المعنى جميعًا:

"مَن لم يشكر النعمة، فقد عرضها للزوال".

فالحمد لله حمدًا يليق به، وشكرًا لا انقطاع له، مناجيةً إيّاه بما ناجى به الإمام زين العابدين (عليه السلام) وأقول:

"فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إياك يفتقر إلى شكر."

القرآن
الايمان
التفكير
الحياة
الانسان
الشكر
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    دراسة جديدة: مكملات أوميغا 3 لا تُظهر فاعلية في تحسين الذاكرة أو الوقاية من الخرف

    النشر : الثلاثاء 30 حزيران 2026
    اخر قراءة : منذ 49 دقيقة

    في نهاية 2023ما هي العقبات التي تواجه المرأة؟

    النشر : السبت 25 تشرين الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 49 دقيقة

    العدس بأنواعه المختلفة.. لحم الفقراء

    النشر : الأثنين 06 نيسان 2020
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    نبي الكوفة

    النشر : السبت 15 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    حملة تزوجني بدون مهر.. تتصدر مواقع التواصل والصحف

    النشر : السبت 04 ايلول 2021
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    الشباب بين الآلام والآمال...!

    النشر : الأثنين 01 آيار 2017
    اخر قراءة : منذ 50 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 310 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 309 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 302 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 298 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 298 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 292 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 762 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 516 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 489 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 487 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 13 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 13 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 14 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة