• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

مشبعٌ بالسببية

هدى المفرجي / الخميس 24 نيسان 2025 / تطوير / 1153
شارك الموضوع :

قال الإمام الصادق (عليه السلام): "ما مِن شيءٍ إلا وله كيلٌ أو وزنٌ"

بقلبٍ يخضبه الوجد، وروحٍ تتكسر على أعتاب الغبار، وقفتُ في ساحة الإيمان أستشعر غيابًا فاحشًا. الهواء هنا لا يتحرك إلا كخفقان جناح فراشة تحتضر، وكل ذرة فيه تهمس في أذني: "العالَم محاكٌ بخيوط السببية الإلهية".

فتلك الكلمات التي رددتها جدتي كلما وقع حدثٌ جلل: "لله في ذلك الأمر عِلمٌ وسببٌ وإرادة"، كأنها كانت تمسح بيدها على جراحنا، وتُذكرنا بأن الخسارة ليست نهاية، بل مفتاحٌ لفلكٍ لا نعرف كيف يُفتح. وها أنا اليوم أتساءل بفمٍ ممتلئ بالفراغ: هل الغبار الذي تطؤه قدمي غبارٌ عادي، أم هو بقايا نجومٍ انفجرت قبل مليارات السنين؟ وهل يحمل في ذراته سجلًّا كاملًا عن كيف صار الكائن البشري؟ وعن الأسباب الخفية التي جعلتني أقف هنا، كما جعلت النجوم تنفجر هناك؟

السببية: القوة الخارقة التي تميز الإنسان

كل شيءٍ في هذا الكون يحدث لسبب، فدموعي التي تقاوم جفني وتسقط محرقةً وجنتي، ما كانت لتنزل دون سبب: ربما ذكرى طواها النسيان، أو قُربٌ من الله يذيب الحُجب.

فكل فعلٍ ينطوي على حكمة، وهذا هو الفهم السببي الذي يجعلنا بشراً، فهو تلك القوة العظمى التي تمنحنا القدرة على رؤية العالم ليس كسلسلة أحداثٍ عشوائية، بل كنسيجٍ مترابطٍ بخيوط السبب والنتيجة. فنحن الوحيدين الذين نسأل: لماذا؟ كيف؟ ماذا لو؟ وهذا ما يؤكد تفرد الإنسان بالعقل، وهذا التفرد له غايةٌ تجعلك تدرك أن الابتلاءات لها حكم، كما قال الإمام الباقر (عليه السلام): «لو يعلم المؤمن ما له في المصائب من الأجر، لتمنى أن يُقرض بالمقاريض».

فالفهم السببي ليس مجرد أداةٍ علمية، بل هو عبادةٌ عقلية تقود إلى الله، فكلما تعمق الإنسان في تحليل الأسباب، اقترب من إدراك حكمة الخالق، وازدادت قدرته على تغيير العالم، ليس بقوته الذاتية، بل بتسخير النعم الإلهية كما أراد الله، في إشارةٍ بآياته إلى: ﴿أفلا يعقلون؟ أفلا يتفكرون؟﴾ ليُذكرنا بأن أعظم قوة خارقة نمتلكها هي "العقل السببي" الذي وهبنا إياه لنسير به نحو الحق.

وهنا ندرك أن السببية هي أساس كل "لأن" وكل "ربما"، وهي حياتنا اليومية، حيث نعيش السببية دون أن ننتبه إليها. نسمع صوتًا فنلتفت بحثًا عن مصدره، نرى السحب السوداء فنحمل المظلة، نلمس النار فنعرف أن الألم سَيلي اللمسة. هذه العلاقات السببية ليست مجرد أفكار، بل هي جزءٌ من إدراكنا للواقع نفسه. فالعالَم بالنسبة لنا ليس مجموعة أحداثٍ منفصلة، بل آلةٌ معقدةٌ تتحرك بتدبير. لكن، هل هذا الفهم بديهي؟

بالطبع لا، فمعظم الكائنات الحية لا ترى العالم كما نراه. فالحيوانات تتفاعل مع الأسباب المباشرة، لكنها لا تتساءل عن "لماذا" الأشياء، ولا تبحث عن الحكمة الكامنة وراءها، بينما نحن وحدنا من نغوص في هذا العمق، ونحن وحدنا من نستطيع تحويل السببية إلى قوة نُغير بها العالم. لكن يبقى السؤال الأهم: ماذا عن الأسباب التي لا نستطيع فهمها؟ ماذا عن الألم الذي يبدو عبثيًا؟ أو الفراق الذي يظهر بلا معنى؟

هنا تتدخل الحكمة الإلهية لتذكرنا بأن الأسباب قد تخفى علينا، لكنها لا تنعدم، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): "ما مِن شيءٍ إلا وله كيلٌ أو وزنٌ"، حتى الدمع الذي يسقط بلا قصد، له حكمةٌ لا ندركها. والإمام علي (عليه السلام) يذكرنا: "ما جفّت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب". فكل شيءٍ مرتبطٌ بسلسلةٍ من الأسباب، لكن أعلى درجات الإيمان هي أن نرى الأسباب، ثم نتجاوزها إلى "المُسبّب".

وفي النهاية، ماذا تعتقد؟ هل نحن من نبحث عن الأسباب، أم الأسباب هي التي تجذبنا؟

ببساطة، هو كمثل سؤالٍ نُجيبه بسؤالٍ آخر: هل أنا من اختار أن أقف في ساحة الإيمان، أم أن السببية الإلهية هي التي جذبتني إليها، بينما كل ذرةٍ حولي تُناجيني بأنني لست عابرًا في هذا الكون، بل خيطٌ في نسيجه المحكم؟ خطواتي، كلماتي، صمتي، وحتى هذه اللحظة التي أكتب فيها، كلها مشبعةٌ بالسببية.

وربما تكون قراءتك لهذه الكلمات يومًا ما سببًا لتحولٍ فيك، كما كانت كتابتي لها تحوّلًا فيّ. وهكذا، وأنا أغادر صفحتي التي ملأتها بالتساؤلات، ألتفتُ ورائي لأرى الغبار الذي مشيتُ عليه يلمع تحت ضوء الشمس كذرات ذهب. فربما هو غبار نجومٍ ميتة، أو ربما مجرد تراب الأرض العادي، لكني أعلم الآن أن الفرق بينهما ليس في ماهيته، بل في القصة التي يحملها، والأسباب التي جعلته هنا، في طريقي، في هذه اللحظة بالذات.

وسأتلقى الإجابة بشكلٍ من الأشكال، فالكون لا يصمت أبدًا، إنه يهمس بأسبابٍ خفيةٍ في كل خطوة، في كل دمعٍ يسقط، في كل فرحٍ يلمع فجأة، ويشير إلى أن السؤال ليس: "لماذا أنا هنا؟"، بل: "ما الذي سأفعله بهذا هنا؟"، لأن الأسباب قد تكون قَدَرًا، لكن ردود أفعالنا هي اختيار.

والإيمان الحقيقي ليس أن تعرف كل الأجوبة، بل أن تسير بثقة حتى في الظلام، لأنك تعلم أن كل ظلمة لها فجرها، وكل سؤالٍ له حكمة، وكل غبارٍ قد يكون في الحقيقة نجمًا ينتظر أن يُولد من جديد.

فهل نغادر الساحة اليوم وقد فهمنا كل شيء؟

بالطبع لا. لكننا نغادر بقلوبٍ أكثر اطمئنانًا، لأننا لو نظرنا جيدًا، لرأينا أن كل خيطٍ في نسيج الوجود ممسوكٌ بيدٍ لا تخطئ ولا تظلم. تُمسكُ بنا حين نسقط في الظلام، كما تُقلب الغيمَ في السماء، وتُنزِل المطرَ قطرةً قطرةً على الأرض العطشى، وتنسجُ لي حلمي قبل أن أنام، وتُعدّل أنفاسي وأنا أجهلُ كيف أتنفس، هي سترتب لي يومي وأمسي وغدي بحبكةٍ لو فكرت كيف أحيكها، لما استطعت. فهو تذكيرٌ من الخالق البارئ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، تذكيرٌ بأن الأسباب لا تعمل بمعزلٍ عن الإرادة الإلهية.

الوعي
الايمان
التفكير
الكون
الانسان
العلم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الخميس 30 تموز 2026/
    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    السبت 25 تموز 2026/
    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الأثنين 20 تموز 2026/
    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

    الخميس 16 تموز 2026/
    من دروس الطف: هيهات منا الذلة

    من دروس الطف: هيهات منا الذلة

    السبت 04 تموز 2026/
    هل تحرمنا التكنولوجيا من متعة الذكريات المشوهة؟

    هل تحرمنا التكنولوجيا من متعة الذكريات المشوهة؟

    الأثنين 15 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    النساء في خدمة الزائرين... أدوار إنسانية خلف الكواليس

    المشي إلى كربلاء: الجسد والخدمة والتآلف الجماعي في زيارة الأربعين

    الاستحمام بالماء البارد قبل النوم.. عادة قد تؤثر سلبًا في راحتك الليلية

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    دراسة: حقن إنقاص الوزن قد ترتبط بزيادة خطر تساقط الشعر

    الأربعينية .. وأمواج الزحف الذي لا يهدأ

    آخر القراءات

    ما هي نقطة ضعف الذكاء الاصطناعي في سوق الوظائف؟

    النشر : الأحد 28 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    لا تقتليه.. عالجي نظراته!

    النشر : الثلاثاء 28 آيار 2019
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    حقائق عن الطعام يجب على كل شخص معرفتها

    النشر : الأثنين 12 شباط 2018
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    (زعفر) سلطان الجان

    النشر : الثلاثاء 29 تموز 2025
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    تكلم مع الله

    النشر : الخميس 21 شباط 2019
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    مؤسسة أنصار الحجة تقيم برنامجاً مهدويا بعنوان: سيبقى الإنتظار

    النشر : الخميس 22 نيسان 2021
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    التربية في مدرسة النبي محمد

    • 326 مشاهدات

    نذر على الطريق.... لكل خطوة حكاية عطاء

    • 307 مشاهدات

    دراسة: الاعتماد على وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي في القرارات الصحية قد يعرّض المستخدمين للمعلومات المضللة

    • 297 مشاهدات

    الغضب والصبر في الحياة الأسرية.. مفاتيح الاستقرار وبناء العلاقات

    • 295 مشاهدات

    كرامات لا تنتهي.... لأبي الفضل العباس

    • 292 مشاهدات

    شوقٌ ينهشُ الضلوع وإدراك شكر النِعَم

    • 289 مشاهدات

    الأسرة وادارة الأزمات .. الأسرة الحسينية نموذجا

    • 1123 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1044 مشاهدات

    نهجُ السجّاد: منارُ الثبات وميثاقُ الإنسانية

    • 914 مشاهدات

    الخير كله بخدمة الحسين.. حصاد برنامج شهر محرم في حسينة الامام الحسن

    • 862 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 785 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 628 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات
    • منذ 3 ساعة
    النساء في خدمة الزائرين... أدوار إنسانية خلف الكواليس
    • منذ 3 ساعة
    المشي إلى كربلاء: الجسد والخدمة والتآلف الجماعي في زيارة الأربعين
    • منذ 3 ساعة
    الاستحمام بالماء البارد قبل النوم.. عادة قد تؤثر سلبًا في راحتك الليلية
    • منذ 3 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة