• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

مذكرات شهيد حي.. أنس بن الحارث الكاهلي

زهراء وحيدي / الخميس 01 تشرين الثاني 2018 / ثقافة / 2574
شارك الموضوع :

منذ صغر سني وانا طامعٌ بفيض كرم الله، كنت دائماً اقول لأمي لماذا لم يخلق الله مكاناً فاصلاً بين الحياة والموت، يذهب اليه الاشخاص الذين تعبوا

منذ صغر سني وانا طامعٌ بفيض كرم الله، كنت دائماً اقول لأمي لماذا لم يخلق الله مكاناً فاصلاً بين الحياة والموت، يذهب اليه الاشخاص الذين تعبوا من الحياة ولكنهم لم يريدوا الإنتحار!.

كانت تجيبني امي بنظراتها الحانية: هل تريد ان تموت؟. كنت ارفع رأسي الى السماء واقول بأعلى ترددات صوتي: لا لا لا.. يا امي انا لم اقصد الموت.

فهمتني بصورة خاطئة يا أمي، انا لا اريد الموت، بالعكس اظن أني سأعمر طويلاً.

كانت تضحك امي وتقول: انت غريب يا ولدي، لا افهم ماذا تريد بالضبط، ومن اين تأتي بهذا الكلام العجيب، تريد مكاناً آخر غير الحياة؟، وفي الوقت نفسه لا تريد ان تموت!، كيف يمكن ان يحدث هذا يا بني؟!!.

كنت اقضي بصمتي الفاخر الى وجل اللحظة العميقة، ونظرات أمي الحائرة تحلق في سكون المكان، لم اقلها لكِ يا امي، ولكني بالفعل لم ارد الحياة، وروحي لم ترغب بالموت، اردت مكاناً ثالثاً لأمثالي، للأشخاص الذين لم تريحهم الدنيا، ولم يستطاب لهم الموت.. اليوم وجدت ضالتي يا امي وادركت جيداً ما كنت اريد، انها رائحة الشهادة.. الشهادة يا امي!.

لربما في وقتها كان حلم كل مسلم ان تفيض روحه بين يدي رسوله الأكرم، ويودع الحياة بروح سليمة.. إلاّ انا!.

نعم... كنت اقاتل في ساحات الوغى واخوض المعارك وانا اردد بين نفسي، يا ربي لا أريد الموت، ليس الآن يا الله، ليس الآن، وكأن الشهادة توزع على المؤمنين بنكهات مختلفة، وانا افضل تلك النكهة الشهية التي ليس كمثلها شهادة، وخلود ليس كمثله خلود!.

وكأن ابتسامة الرسول الكريم وانا احارب شر خلق الله كانت دلالة كافية على خوفي من الموت بهذه الطريقة وعلى هذه الأرض، وقلبي معلق بتلك الشهادة الحمراء تحت ظل المحبوب وعلى ارض ليس كمثلها ارض!.

بعد انتهاء المعركة، اجتمع بنا خير خلق الله، وانا انظر الى وجهه يتلألأ وكأنه كوكب دري، والسكون الذي يعتلي المكان كاد ان يشق الليل بهيبته، بينما ألقى الرسول الأكرم خطبته وتحدث عن آثار المعركة، نظر إلي نظرة غريبة، وابتسمت محياه وكأنه يريد ان يبشرني ويطفىء بكلامه ظمأ العمر الذي تحملت صيامه طيلة هذه المدة.

نظر إلي بكل ما أوتي من ايمان، وهمس بكلمات روحانية، تلاشيت على أثرها من شدة الفرحة، نعم قالها، اخيراً قالها، سألحق بالواقعة.. سأشارك المحبوب بالواقعة وسأنال مناي وسأجرب نشوة الطيران وسأحلق في ذلك المكان الذي لطالما حلمت به.

ستلمس جثتي ارض كربلاء، وسيختلط دمي بدم اطهر خلق الله، وستفيض روحي بين يدي المحبوب، هل هنالك سعادة اكبر من هذه! آهٍ متى سيأتي ذلك اليوم الموعود؟، متى!.

بدأت السنوات تمضي قُدماً، شاركت في غزوات عديدة، ولكن هذه المرة كلي طمأنينة واستقرار، ما عدت ارتجف خوفاً من ان أموت ولا احقق رغبتي، حتى مسكة السيف عندي تغيرت، ازددت ثباتاً، بعدما اخذت جواز المشاركة من الرسول الأكرم، وتيقنت بأني لن اترك هذه الحياة قبل ان ابلغ مناي، وانال شرف الشهادة بين يدي المحبوب.

مرت الأيام وبلغت الحروب والمعارك مع الرسول الأكرم، ومن بعد الرسول اكملت المسيرة مع خليفته علي بن ابي طالب (عليه السلام)، واصبحت الايام تمر عليَّ مر السحاب ولا ازداد بها سوى ثباتاً ويقيناً بدين محمد وآله، وكلي أمل بذلك اليوم الموعود الذي اشهد فيه الواقعة الكبرى وازف الى جنتي مع اولاد الطهر.

كل من حولي شهدوا عليّ سوء صحتي وضعف بدني وكبر سني، ولكني ما لاحظت ذلك على نفسي ابداً، الاّ بعد ما سألني احد المارة:

- يا انس ابن الحارث الكاهلي هل لاحظت بأن لك من اسمك نصيب؟

-ابداً.

- كيف ذلك وانت رجل كهل؟

-ربما يكون جسدي كذلك، ولكن روحي ليست كهلة، انها تزهر يوماً بعد يوم.

كلما دنوت اكثر من يومي الموعود، اخضرت ايامي وازهر قلبي.. وكأني في عد تنازلي للقاء المعشوق بأرض كربلاء!. اريد ان اعيش الثبات بينما ارى اللحظات الأخيرة تتراقص أمام عيني وقد غزا الشيب رأسي، وصوتي أصبح شبه خافت!، وكلي فخر بأني سأسقط شهيداً امام الحسين (عليه السلام) بوهن عظمي وكبر سني وأنا محنط باليقين التام، بأنه ليس هنالك شهادة كشهادة اصحاب الحسين بكربلاء!.

اصبحت الايام تلفظ انفاسها الاخيرة معي، وكل من كان يراني كان لا يصدق بأني سأوافي مهجتي مع الحسين (عليه السلام)، حتى قال لي احدهم وانا انتظر في منطقة الطف:

- ماذا تفعل في هذه الصحراء أيها الشيخ الكبير؟

- انتظر يوسفي...

- اراك ملازماً هذا المكان منذ وقت طويل، هل سيرد اليك (يوسفك) شبابك؟

-لا يا ولدي، لن يرد الي شبابي... سيرد إلي البصيرة.

رمقني بنصف ابتسامة واكمل طريقه، وبقيت أنا جالساً في مطرحي، انتظر يوسف زماني علّه يأتي الى كنعان العشق ويرد إلي بصيرتي، ويطفىء لهيب الانتظار المشتعل في دواخل وجودي.

اقتربت الساعة... بدأت اشم ريح يوسف، صدى الشهادة بات يعزف ألحانه قريبا من مسمعي، نعم، انا ارى ذلك اللون الاحمر يعتلي الافق، بدأت دقات قلبي تتسارع وكأنها تردد أبهى آيات العشق الالهي مع نسيم الصيف الحار.

تحقق وعد الرسول، رأيت الحسين (عليه السلام)، ها هو الحجة وها هي كربلاء وها انا.. هل لي أن اقول بان الاسطورة قد تحققت؟!، ولكنها ليست باسطورة... انها حقيقة، اذن تحققت الحقيقة.

لم تصدق عيني بأني أصبحت قريباً من الواقعة الى هذه الدرجة، احساس غريب بدأ يأكل حنايا قلبي، بدأ ينبت لي جناحان، طافت روحي بهما اثني عشر مرة حول الطف.

ما أعرفه بأن الروح تفيض الى السماء، اذن لماذا عندما سجدت سجدة شكر شعرت بأن روحي فاضت الى الأرض؟!.

تساؤلات كثيرة بدأت تتراقص في بالي.. فكل ما بات يحصل معي خارق للطبيعة الكونية، قلت مع نفسي: وعلى أساس ان ما سيحصل على هذه الارض قابل للتصور والتصديق!، ثم طردت جميع الافكار من رأسي لأستمتع بعمق اللحظة... وبعدما طلب مني المحبوب الأمر بالمعروف لهداية القوم، خرجت اليهم، وتمنيت لهم الهداية، حدثتهم عن ذلك المكان الذي ستفوز ارواحهم بالسكينة والحب، وسيحلقون على اثره الى جنة الطمأنينة والخلود!، ولكنهم كانوا ابعد من ان يفهموا لغة العشق هذه!، فقد اخذتهم العزة بالكفر!!.

ثم اخذت اذن الخروج من الولي، ووجهي يهلّل فرحاً غير مصدق بأني سأحيى من جديد، اعلم بأن الناس سيظنون بأني مت ظمآناً بكربلاء!، ولكن الحقيقة ليست كذلك، الحقيقة هي إني عانيت تسعين عاماً من عطش الإنتظار، لآتي الى ارض كربلاء واسقي عطشي بواقعة الطف هذه.

قتلت ثمانية عشر شخصاً بسيفي، ثم بدأت اشم تلك الرائحة... نعم انها هي، هي نفس تلك الرائحة التي حدثت امي عنها، والله هي... انني اشم العزة في الوجود.

اصبحت الرائحة أقرب الي... بدأت اركض الى مصدرها برجليّ الكهلتين، واردد مع نفسي: اماه هذه هي الرائحة التي حدثتك عنها.. انها تأتي من ذلك المكان المقدس الذي لطالما حلمت به، انها هي، والله هي.. بينما كنت اركض الى مصدر الرائحة الزكية لتأخذني الى حلم عمري، حتى انتبهت في الحقيقة بأنني لم اكن اركض بل كنت اطير!.

(من كتاب: رجال صدقوا، اعداد جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية)
عاشوراء
الامام الحسين
كربلاء
الموت
قصة
الشهيد
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    القيادة الشرعية والصراع مع الباطل: كيف يحقق الإنسان دوره في زمن الغيبة

    القيادة الشرعية والصراع مع الباطل: كيف يحقق الإنسان دوره في زمن الغيبة

    الأحد 15 شباط 2026/
    مدارج الوعي الديني وارتباطه المباشر بالتكامل الانساني

    مدارج الوعي الديني وارتباطه المباشر بالتكامل الانساني

    الثلاثاء 27 كانون الثاني 2026/
    وحدة الأمة أم سقوطها؟ قراءة كاظمية في واقع التمزق الإسلامي

    وحدة الأمة أم سقوطها؟ قراءة كاظمية في واقع التمزق الإسلامي

    الخميس 15 كانون الثاني 2026/
    فلسفة الإمام علي في مواجهة طغيان الاستهلاك الحديث

    فلسفة الإمام علي في مواجهة طغيان الاستهلاك الحديث

    الثلاثاء 06 كانون الثاني 2026/
    ما لم تخبرنا به النظريات

    ما لم تخبرنا به النظريات

    الأربعاء 24 كانون الأول 2025/
    سائق المعارف إلى أين يمضي بركابه؟

    سائق المعارف إلى أين يمضي بركابه؟

    الأربعاء 17 كانون الأول 2025/

    آخر الاضافات

    تأثير النمط التبسيطي على الهدوء النفسي والاستقرار

    هوس المعطف الأبيض.. حين تتحول المهنة إلى عقدة اجتماعية

    اقتصاد العطاء الخفي: كيمياء اللطف المجهول والأثر المتسلسل

    أوردة اليد البارزة.. متى تكون تغيراً طبيعياً ومتى تنذر بمشكلة صحية؟

    المدونة الجعفرية.. قراءة وتحليل: ندوة أقامتها جمعية المودة والازدهار

    الحجاب قوة انتماء.. لماذا يتحول إلى قضية سياسية؟

    تجريف الذائقة

    أطفال الحروب بين الصدمات النفسية ورحلة التعافي في غياب الأمان

    آخر القراءات

    طفلك يعاني في المدرسة؟.. إليكِ هذه النصائح

    النشر : الأربعاء 27 تشرين الاول 2021
    اخر قراءة : منذ 3 دقائق

    بيت الأحزان يُخلَّد في ذاكرة الزمان

    النشر : الأربعاء 28 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 3 دقائق

    أسباب نجاة الأمم وتقدمها

    النشر : الأثنين 10 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 4 دقائق

    ماهي طرق التعامل مع الزوج الإستغلالي؟

    النشر : السبت 18 ايلول 2021
    اخر قراءة : منذ 4 دقائق

    ما الوقت الذي عليكِ انتظاره بين صبغات الشعر؟

    النشر : الثلاثاء 26 تشرين الاول 2021
    اخر قراءة : منذ 4 دقائق

    المؤمن بين الخوف والرجاء

    النشر : الأثنين 29 كانون الأول 2025
    اخر قراءة : منذ 4 دقائق

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    هوس المعطف الأبيض.. حين تتحول المهنة إلى عقدة اجتماعية

    • 424 مشاهدات

    من سبيستون إلى يوتيوب: كيف تغيّر عالم الطفل؟

    • 362 مشاهدات

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    • 339 مشاهدات

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    • 335 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    • 334 مشاهدات

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    • 329 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1206 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 1118 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1065 مشاهدات

    من يملك وقتك؟

    • 926 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 839 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 754 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    تأثير النمط التبسيطي على الهدوء النفسي والاستقرار
    • منذ 20 ساعة
    هوس المعطف الأبيض.. حين تتحول المهنة إلى عقدة اجتماعية
    • منذ 20 ساعة
    اقتصاد العطاء الخفي: كيمياء اللطف المجهول والأثر المتسلسل
    • منذ 20 ساعة
    أوردة اليد البارزة.. متى تكون تغيراً طبيعياً ومتى تنذر بمشكلة صحية؟
    • منذ 20 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة