• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

سائق المعارف إلى أين يمضي بركابه؟

زهراء وحيدي / الأربعاء 17 كانون الأول 2025 / تطوير / 1064
شارك الموضوع :

في زمن اختلطت فيه الأصوات، وتكلم الجهل بلسان العلم، أصبح من الضروري أن نُميّز بين السائق والعالِم

في إحدى القاعات المزدحمة، وقف رجل يتحدث بثقة مطلقة. الكلمات متماسكة، النبرة واثقة، والجمهور يصغي بإعجاب. لا شيء يوحي بأن هناك خللًا ما… إلى أن طُرح سؤال واحد فقط. عندها، ساد صمت قصير، ذلك الصمت الذي يفضح أكثر مما تفعل الكلمات. لحظات قليلة كانت كافية لكشف الفرق بين من يتقن التكرار، ومن يعرف حقًا عمّا يتحدث.

لسنا بعيدين عن هذا المشهد، بل نعيشه يوميًا بأشكال مختلفة. تتغير الوجوه والمنصات، لكن القصة واحدة: حديث متقن، معرفة مستعارة، وثقة لا تستند إلى عمق حقيقي.

في كتابه «فنّ التفكير الواضح» يذكر المؤلف رولف دوبلي قصة لافتة عن العالم الفيزيائي ماكس بلانك، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1918. فقد كان بلانك يقوم بجولات علمية في أرجاء ألمانيا، يلقي في كل مرة المحاضرة نفسها عن ميكانيكا الكم، دون تغيير يُذكر. ومع كثرة الرحلات، حفظ سائقه المحاضرة عن ظهر قلب، حتى بات يرددها بسلاسة وإتقان.

وذات يوم، قال السائق لبلانك بنبرة مازحة لا تخلو من الذكاء: «لا بد أن الأمر مملّ لك، سيدي الأستاذ، أن تلقي المحاضرة ذاتها في كل مدينة. ما رأيك أن ألقيها أنا نيابة عنك في ميونخ، بينما تجلس أنت في الصف الأول مرتديًا قبعة السائق؟ هكذا نكسر الروتين». أعجبت الفكرة بلانك على سبيل التسلية، فوافق. وهكذا وقف السائق يلقي محاضرة طويلة عن ميكانيكا الكم أمام جمهور من كبار الأساتذة وأصحاب العقول اللامعة.

سارت الأمور بسلاسة، إلى أن رفع أحد أساتذة الفيزياء يده وطرح سؤالًا علميًا دقيقًا. هنا لم يرتبك السائق، بل قال بثقة لافتة: «لم أكن أتوقع أن يُطرح سؤال بهذه البساطة في مدينة متقدمة مثل ميونخ. سأطلب من سائقي أن يتفضل بالإجابة». في تلك اللحظة، انكشفت الحقيقة كاملة: فرق شاسع بين من يحفظ الكلام ومن يفهمه، وبين من يردد المعرفة ومن يمتلكها.

هذه القصة ليست مجرد طرفة عابرة، بل مرآة صادقة لواقع نعيشه يوميًا. فكم من أشخاص في حياتنا يرتدون ثوب المعرفة وهم في حقيقتهم مجرد ناقلين؟ مظهر جذاب، أسلوب لبق، كلمات منمقة، لكن خلف ذلك فراغ معرفي واضح. ولو سألت أحدهم سؤالًا واحدًا خارج النص الذي حفظه، لرأيته يتلفت يمينًا ويسارًا، يبحث عن «ماكس بلانك» خفيّ يجيبه نيابة عنه.

أين نجد هذه الفئة اليوم بشكل أوضح؟

الجواب للأسف في السوشيال ميديا. منصات التواصل الاجتماعي تضجّ بأشخاص يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء. يتحدثون في كل شيء، ويفتون في كل شيء، ويقدّمون أنفسهم خبراء في كل مجال. لكن الحقيقة أن ما يمتلكونه في الغالب لا يتعدى معلومات سطحية التقطوها من هنا وهناك، يعيدون تدويرها بحثًا عن الإعجابات والتعليقات والمشاهدات.

تُطرح المعلومة بثقة مدهشة، وكأن صاحبها أمضى عشرين أو ثلاثين سنة في البحث والتجريب، بينما لا يتجاوز الأمر مشاهدة مقطع قصير أو قراءة منشور عابر. وما أكثر هؤلاء، خصوصًا من الفاشنيستات والبلوكرز، الذين ينقلون للمتابعين معلومات نصف صحيحة أو خاطئة تمامًا، لا سيما في مجالات شديدة الحساسية مثل علم النفس، والتغذية، والاستشارات الزوجية والنفسية، وغيرها من القضايا التي تمس حياة الناس بشكل مباشر.

والأخطر من ذلك أن التعدي لم يقف عند حدود العلوم والمعارف الدنيوية، بل تجاوزها إلى الدين. إذ نلاحظ في السنوات الأخيرة أن كثيرًا من المشاهير باتوا يتطرقون إلى القضايا الدينية، ويطرحون الأحكام الشرعية وكأنها آراء شخصية، لا علمًا قائمًا على الدقة والاستنباط. يُقدَّم الدين كوجهة نظر، لا كمنهج له أصول وضوابط، وكأن كل من امتلك منبرًا أو جمهورًا صار مخولًا بالحديث فيه.

ومع الأسف، تجد شريحة واسعة من الناس تتفاعل وتصدق، لا لشيء إلا بسبب المظهر، أو أسماء الماركات، أو عدد المتابعين. وكأن الحق يُقاس بعدد اللايكات، والعلم يُقاس بالشهرة، لا بالمعرفة ولا بالاختصاص.

لا شك أن وجود رقابة على من يقدم نصائح علمية أو صحية أو دينية أمر ضروري، لما قد يترتب على كلامهم من أضرار جسيمة. لكن، في النهاية، يبقى الإنسان مسؤولًا عن نفسه. عليه أن يكون واعيًا، ناقدًا، يعرف من أين يأخذ المعلومة، ومن يستحق أن يُسمع له.

فالعلم له أهله، أولئك الذين أفنوا أعمارهم في المختبرات والجامعات، بين البحث والتجربة والخطأ، حتى وصلوا إلى معرفة راسخة يمكن الوثوق بها. وكذلك الدين له أهله من الفقهاء والمراجع الذين قضوا حياتهم في الحوزات العلمية، بين الكتب والدراسة والتدقيق، وهؤلاء وحدهم من يُؤخذ عنهم الحكم الشرعي، لا كل من ادّعى الدين، أو لبس العمامة، أو ظهر على السوشيال ميديا متحدثًا بثقة فارغة.

في زمن اختلطت فيه الأصوات، وتكلم الجهل بلسان العلم، أصبح من الضروري أن نُميّز بين السائق والعالِم، وبين من يكرر الكلام ومن يفهمه.

فالعقول أمانة، وأسوأ ما يمكن أن يحدث لها أن تُسلَّم لمن لا يملك مفاتيحها، فمن يحجز رحلة مع سائق المعارف لن تكون وجهته إلا الضلال.

الوعي
العلم
المجتمع
السلوك
الدين
وسائل التواصل الاجتماعي
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    القيادة الشرعية والصراع مع الباطل: كيف يحقق الإنسان دوره في زمن الغيبة

    القيادة الشرعية والصراع مع الباطل: كيف يحقق الإنسان دوره في زمن الغيبة

    الأحد 15 شباط 2026/
    مدارج الوعي الديني وارتباطه المباشر بالتكامل الانساني

    مدارج الوعي الديني وارتباطه المباشر بالتكامل الانساني

    الثلاثاء 27 كانون الثاني 2026/
    وحدة الأمة أم سقوطها؟ قراءة كاظمية في واقع التمزق الإسلامي

    وحدة الأمة أم سقوطها؟ قراءة كاظمية في واقع التمزق الإسلامي

    الخميس 15 كانون الثاني 2026/
    فلسفة الإمام علي في مواجهة طغيان الاستهلاك الحديث

    فلسفة الإمام علي في مواجهة طغيان الاستهلاك الحديث

    الثلاثاء 06 كانون الثاني 2026/
    ما لم تخبرنا به النظريات

    ما لم تخبرنا به النظريات

    الأربعاء 24 كانون الأول 2025/
    القيم الفاطمية ودورها في ترميم الثقة بين القيادة السياسية والشعوب

    القيم الفاطمية ودورها في ترميم الثقة بين القيادة السياسية والشعوب

    الأثنين 24 تشرين الثاني 2025/

    آخر الاضافات

    عمّى الجمال

    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    بوحٌ بلا وجوه… حينما تصبح المنصات الملاذ الأخير

    رائحة العرق المزعجة.. أسبابها وطرق الحد منها بفاعلية

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الهيليوم: أكثر من مجرد غاز يجعل صوتك مضحكًا

    آخر القراءات

    سماحة السيد محمد علي الشيرازي: تكوين الفرد يبنى على العلل الأربع

    النشر : الأحد 04 تشرين الاول 2020
    اخر قراءة : منذ 11 دقيقة

    المرأة بين الانفتاح والانغلاق الاجتماعي في ملتقى المودة للحوار

    النشر : السبت 21 نيسان 2018
    اخر قراءة : منذ 11 دقيقة

    كيف تشكل العادات هويتك والعكس بالعكس؟

    النشر : السبت 18 نيسان 2026
    اخر قراءة : منذ 11 دقيقة

    بصائر من القرآن الكريم ١

    النشر : الخميس 27 آذار 2025
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    الشك.. جرثومة خطرة تهتك بالأسرة

    النشر : الأثنين 28 ايلول 2020
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    برنامج "Shark Tank" من أفكار بسيطة إلى شركات عملاقة

    النشر : السبت 19 تموز 2025
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 491 مشاهدات

    الاهتمام بالرزق.. حين يتحول الهم إلى خطيئة

    • 320 مشاهدات

    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    • 314 مشاهدات

    الكيتو قد يساعد في عكس مقدمات السكري وخفض دهون الكبد

    • 301 مشاهدات

    كيف تخفف التهاب الحلق سريعًا؟ خطوات بسيطة تساعد على الشعور بالراحة

    • 301 مشاهدات

    طرق بسيطة قد تساعد على تخفيف أعراض الصداع النصفي أثناء النوبة

    • 299 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1060 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1022 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1007 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 961 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 800 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 718 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمّى الجمال
    • الخميس 10 ايلول 2026
    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار
    • الخميس 10 ايلول 2026
    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟
    • الخميس 10 ايلول 2026
    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر
    • الأربعاء 09 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة