أصبح الإنسان يعيش في عالم تتطور فيه المعلومة بين ثانية وأخرى، وهذا التطور يمتد إلى مساحات كبيرة من حياة الشعوب، فالأمر لم يتوقف على الجانب المعلوماتي أو التكنولوجي فحسب، بل تسلّل إلى حياتنا الاجتماعية والثقافية والعلمية، بل وحتى الاقتصادية.
فهذا الانفتاح الثقافي على البلدان والشعوب الأخرى لم يعد يتطلب السفر والترحال، إنما حساب واحد على الإنستغرام جدير بأن ينقل إليك كيف يعيش الناس في الدولة الأخرى، وماذا يتناولون، وماذا يرتدون من ملابس، وما هي عاداتهم وتقاليدهم.
وإذا ركزنا على الجانب الاقتصادي سنعرف بأن هذا التطور كان له دور كبير في موضوع الاستهلاك، سواء على الصعيد الفردي أم الجماعي.
فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مكانًا لعرض المقتنيات والبرندات، ولم يشكّل الأمر عبئًا على ميزانية الفرد ذي الدخل المتوسط فحسب، بل خلق شعورًا بالطبقية لدى الكثير من الناس، واستُنزفوا على أثر ذلك نفسيًا وصحيًا، وخلق عندهم شعورًا بأنهم لا يبلون جيدًا في حياتهم المالية، ليكون بعد ذلك شغلهم الشاغل هو البحث وراء المال لاقتناء ما يملكه الآخرون، حتى لا يتخلفوا عن المواكبة، أو ما يُسمّى اليوم بـ«الترند».
وسط هذا الضجيج، تبرز فلسفة الإمام علي بن أبي طالب ليس كوعظ ديني تاريخي، بل كـ«مانيفستو» اقتصادي واجتماعي قادر على إنقاذ الفرد من عبودية الأشياء.
وضع الإمام علي قاعدة ذهبية لا تزال تمثل جوهر العدالة التوزيعية في علم الاجتماع الحديث حين قال: «ما جاع فقير إلا بما مُتِّع به غني». في واقعنا المعاصر، يظهر هذا بوضوح في «الاستهلاك التفاخري»؛ فالموارد التي تُهدر على الرفاهية المفرطة في مجتمع ما، هي ذاتها الموارد التي تُسحب من الاحتياجات الأساسية لطبقات أخرى. إن الإمام هنا لا يهاجم الغنى في ذاته، بل يهاجم «سلوك الترف» الذي يخلّ بالتوازن الاجتماعي. والحل الذي يطرحه هو تحويل «فائض المال» من أداة للاستعلاء الطبقي إلى وسيلة للتكافل، معتبرًا أن كرامة المجتمع ككل مقدّمة على رغبة الفرد في الاستعراض.
وهنا يلعب الاستثمار الخيري بالنسبة للطبقة الثرية من المجتمع دورًا كبيرًا في رفع مستوى معيشة الفقراء، فالفائض من المال عند الثري، بدلًا من أن يستخدمه في أمور تزيد من استعلائه وسيطرته على الآخرين، أو في استهلاك تفاخري، يستثمره في مشاريع خيرية تذهب عوائدها إلى الناس المحتاجين. بهذه الطريقة تعمّ الفائدة والخير على الجميع، وتتفعّل المنفعة الاجتماعية بين الناس.
والله سبحانه وتعالى يفضّل العبد الغني على العبد الفقير، لأن المال أيضًا عنصر قوة للإنسان، والمؤمن يجب أن يسعى في طلب رزقه ويزيد في ماله ليكون عونًا للإسلام، فأحد أبواب الجهاد هو جهاد الأموال. فالرسول (صلى الله عليه واله) احتاج إلى الأموال في دعوته الإسلامية، ولولا أموال السيدة خديجة لما استقام الدين.
ولكن مهما كان المؤمن غنيًا يجب أن يعيش حياة الزاهدين. ولقد أسيء فهم الزهد طويلًا، فظنه البعض دعوة للفقر، لكن الإمام علي عرّفه بدقة مذهلة فالزهد كله بين كلمتين من القرآن: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم). هذا هو الترياق الحقيقي لأزمة «القلق الاستهلاكي» الحالية. ففي علم النفس الحديث، يلهث الناس خلف «الترند» خوفًا من فوات الأشياء، أما الإمام علي فيطرح مفهومًا لـ«الاكتفاء الذاتي» يجعل الإنسان سيدًا لمقتنياته لا عبدًا لها.
إن تبني هذه الرؤية يعني تحويل المجتمع من مجتمع «الديون والقروض» من أجل المظاهر، إلى مجتمع «التحرر المالي واليقظة الذهنية»، حيث تُصرف الطاقات في بناء الإنسان لا في عمليات الشراء التافهة.
فأصل الإنسان أن يسعى وراء احتياجاته لا وراء رغباته، وهذا ما يحاول الإعلام الاستهلاكي أن يروّج له، أن تركض وراء رغباتك حتى تكون عبدًا لتلك الشركات التي تكبر بفضل أموالك.
فغالبًا ما ترى أصحاب الدخل المحدود أو الطبقة المتوسطة غارقين في الديون والقروض، فقط لكي يلبّوا رغباتهم المؤقتة في شراء أشياء لا يحتاجونها في الحقيقة، لكنهم يعيشون في اضطراب عدم المواكبة أو التخلف عن «الترند».
إن أزمة مجتمعاتنا الحالية هي «فقدان المعنى» في الثروة. الإمام علي، الذي كان يعمل بيده في مزارع المدينة ويسقي آبارها ليتصدّق بها، قدّم نموذجًا للمستثمر الذي يرى في المال «قوة اجتماعية». وفي واقعنا، نحن بحاجة إلى تمثّل هذه الروح، أي أن يتحول التنافس من «من يملك أكثر» إلى «من ينفع أكثر».
إن إنصاف الفقير في فكر الإمام ليس مجرد صدقة عابرة، بل هو «حق معلوم» يضمن استقرار المنظومة بأكملها، ويمنع الانفجارات الاجتماعية الناتجة عن الشعور بالظلم.
وحتى تتفعّل هذه الخاصية يحتاج الإنسان إلى:
أولًا/ الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، فالله سبحانه وتعالى منّ علينا بالمال الحلال حتى ننفع به غيرنا، ونكون سببًا للصلاح والخير، لا أن نهدر المال في خدع استهلاكية صنعتها الشركات من أجل زيادة أرباحها ورفع اقتصاد دولها.
ثانيًا/ أن نمتلك وعيًا اقتصاديًا عاليًا، ونتصرف بالمال وفق مبدأ الاحتياجات لا الرغبات، ولا نكون فريسة سهلة لمصيدة «الترندات» التي يقف وراءها أكبر الشركات والمستفيدين في العالم. والجدير بالذكر أن هذه الشركات أصبحت «عظيمة» و«كبيرة» بسبب أموال الناس السذج الذين يورّطون أنفسهم في قروض يُؤخذ منهم ربع الراتب الشهري كفوائد.
ثالثا/ عدم الانجراف خلف الماديات، وتعزيز البعد المعنوي والروحي في الحياة، بما يحقق التوازن بين متطلبات الجسد واحتياجات الروح، ويمنح الإنسان معنى أعمق لوجوده بعيدًا عن وهم الامتلاك والاستهلاك.
إن استعادة فكر الإمام علي في واقعنا المعاصر تعني البدء في ترميم الإنسان من الداخل. إننا لا نحتاج إلى قوانين اقتصادية فحسب، بل إلى «ثورة أخلاقية» تعيد تعريف الاستهلاك، وإن طريق الخلاص من وطأة المادية المعاصرة يبدأ من صرخة الإمام العابرة للزمان: "قيمة كل امرئ ما يحسنه، وليس ما يملكه".








اضافةتعليق
التعليقات