عاصر الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) زمن إمامته التي استمرت نحو (35) سنة، أربعة من خلفاء بني العباس، وهم على الترتيب التالي:
1. المنصور الدوانيقي: (10) سنوات تقريباً.
2. المهدي العباسي: (10) سنوات تقريباً.
3. الهادي العباسي: سنة واحدة.
4. هارون الرشيد: خمس عشرة سنة تقريباً.
ولم يستسلم الإمام الكاظم (عليه السلام) أمامهم أبداً، بل كان متحدياً لهم بمواقف ثابتة، صابراً على ما يصدر منهم، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، حتى لُقب بـ (الكاظم). وبالرغم من أن اسمه "موسى"، إلا أن شدة تحمله ومقاومته وإعراضه عن الطغاة جعلت هذا اللقب ملازماً له. ويدل هذا اللقب على كظم الغيظ تجاه الأعداء والسيطرة على النفس، كما يعكس دوره الفعال في النهي عن المنكر؛ إذ يقول الإمام علي (عليه السلام): "أدنى الإنكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة" (1).
لقد امتدت إمامة موسى بن جعفر (عليه السلام) الشرعية حقبة غير قصيرة تناهز خمسة وثلاثين عاماً، استقبلها بنفس شماء زاخرة بالصبر والثبات، مفعمة بمشاعر المسؤولية الكبرى مهما كانت الظروف السياسية قاسية.
الإمام الكاظم (عليه السلام) يواجه خطر الانقسامات
لقد علم الإمام الصادق (عليه السلام) أن بعض أصحابه قد يميلون عن إمامة ولده الكاظم إلى أخيه "إسماعيل" لكونه الأكبر؛ لذا شاءت القدرة الإلهية أن يموت إسماعيل في حياة أبيه. ولتأكيد ذلك، أحضر الإمام الصادق (عليه السلام) جماعة من أصحابه وأشهدهم على موت إسماعيل في بيته، ثم أشهدهم ثانية أثناء التشييع، وكان يكشف عن وجهه ويسألهم فيؤكدون موته.
ومع كل هذه التأكيدات، ظهرت بعد وفاة الصادق (عليه السلام) عدة اتجاهات، منها:
• (الإسماعيلية): القائلون بإمامة إسماعيل وأنه لم يمت بل غاب.
• (الناووسية): الذين اعتقدوا أن الإمام الصادق نفسه لم يمت وأنه القائم المهدي.
• (الفطحية): الذين قالوا بإمامة "عبد الله الأفطح" (أخو الإمام الكاظم).
• فرق أخرى: كالزيدية والكيسانية والخطابية.
واجه الإمام الكاظم (عليه السلام) هذه التحديات بإبراز فضائله ومؤهلاته العلمية والروحية لتوجيه الناس نحو الحق، رغم أن الوضع السياسي كان في غاية الخطورة؛ حيث كان العباسيون يطاردون الشيعة ويضيقون عليهم، مما اضطر الإمام وأصحابه للعمل بـ "التقية" في كثير من الأحيان.
مدرسة الإمام الكاظم (عليه السلام)
بعد استشهاد الإمام الصادق (عليه السلام)، عمل الإمام الكاظم على جمع الأصحاب والتلاميذ البارزين لمدرسة أبيه، وبذل جهداً مضنياً للحفاظ على هذا الإرث العلمي عبر المناظرات الحكيمة. وقد ربى تلاميذ فطاحل في الفقه والعلم، منهم: (صفوان بن مهران، بهلول، يونس بن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي عمير). فكان كل واحد منهم ركناً في حفظ مدرسة التشيع وتوسيع آفاقها ببركة إرشادات الإمام.
من طلاب الإمام الكاظم (عليه السلام):
1. هشام بن الحكم: من أعاظم الأصحاب، التحق بالإمام الكاظم بعد الصادق (عليهما السلام)، وكانت له مناظرات حازمة في الدفاع عن الإمامة. وقد علمه الإمام مفاهيم عميقة في العقل، قائلاً له: "يا هشام إن لكل شيء دليلاً، ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت... وكفى بك جهلاً أن تركب ما نهيت عنه" (2).
2. بهلول: وهو العالم العارف "بهلول بن عمرو"، كان من خواص الإمام، وأظهر "الجنون" بأمر من الإمام الكاظم (عليه السلام) صيانة لنفسه ودينه من بطش العباسيين، فعُرف بـ "بهلول المجنون".
إلقاء القبض على الإمام (عليه السلام)
قُبض على الإمام الكاظم (عليه السلام) وهو قائم يصلي عند رأس جده النبي (صلى الله عليه وآله)، فقُطعت عليه صلاته وحُمل وهو يبكي شاكياً: "إليك أشكو يا رسول الله ما ألقى". ولما حُمل إلى الرشيد، شتمه وقيده، وفي الليل أمر الرشيد بقبتين (محملين)؛ أرسل واحدة خفية إلى البصرة مع "حسان السروي" ليسلمه إلى "عيسى بن جعفر"، وأرسل الأخرى علانية إلى الكوفة ليعمي على الناس مكان الإمام ويُضللهم عن مسيره الحقيقي (3).








اضافةتعليق
التعليقات