كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Medicine أن توقيت تلقي العلاج المناعي لمرضى سرطان الرئة قد يلعب دورًا حاسمًا في فعاليته، إذ أظهرت النتائج أن إعطاء الجرعات في الصباح قد يرتبط بتحسّن ملحوظ في معدلات البقاء على قيد الحياة مقارنة بإعطائها في وقت متأخر من اليوم.
فرق ملحوظ بحسب الساعة
في التجربة، خضع 210 مرضى مصابين بسرطان الرئة من نوع الخلايا غير الصغيرة لنفس نوع العلاج المناعي الذي يحفّز جهاز المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية. وقُسّم المشاركون إلى مجموعتين: الأولى تلقت الجرعات قبل الساعة الثالثة بعد الظهر، والثانية بعدها.
وأظهرت النتائج أن المرضى الذين تلقوا العلاج مبكرًا عاشوا فترة أطول بنحو خمسة أشهر كمعدل وسطي قبل أن يتطور المرض أو ينتشر، وهو ما يُعرف طبيًا بـ"البقاء من دون تطور المرض". كما امتد متوسط بقائهم على قيد الحياة قرابة عام إضافي مقارنة بالمجموعة التي تلقت العلاج في وقت متأخر، مع نسبة أعلى للبقاء حتى نهاية فترة المتابعة التي تجاوزت عامين.
لماذا قد يكون التوقيت مهمًا؟
منذ سنوات، يدرس العلماء تأثير الساعة البيولوجية للجسم على وظائفه المختلفة، بما في ذلك نشاط الجهاز المناعي. وتشير أبحاث متزايدة إلى أن المناعة البشرية تتأثر بالإيقاع اليومي، ما قد ينعكس على فعالية اللقاحات والجراحات وبعض العلاجات.
الدراسة الجديدة، التي قادها باحثون في الصين، تُعد من أوائل التجارب العشوائية المضبوطة التي تختبر بشكل مباشر أثر توقيت العلاج المناعي، بعدما كانت دراسات سابقة قائمة على الملاحظة قد أشارت إلى نتائج مشابهة لدى مرضى الميلانوما وسرطان الكلى.
نتائج رقمية لافتة
خلال متابعة استمرت أكثر من 28 شهرًا، لم يُسجّل أي تقدم في المرض لدى مرضى مجموعة العلاج المبكر لمدة متوسطة بلغت 11.3 شهرًا، مقارنة بـ5.7 أشهر فقط لدى المجموعة التي تلقت العلاج لاحقًا في اليوم.
وبنهاية الدراسة، كان نحو 45% من مرضى المجموعة المبكرة لا يزالون على قيد الحياة، مقابل حوالي 15% فقط في المجموعة الأخرى. وحتى أواخر يناير/كانون الثاني 2026، ظل 75 مريضًا من أصل المشاركين أحياء، مع خطط لنشر بيانات إضافية حول معدلات البقاء لاحقًا.
كما أظهرت تحاليل الدم أن المرضى الذين تلقوا العلاج صباحًا امتلكوا أعدادًا أكبر من الخلايا التائية القادرة على مهاجمة الخلايا السرطانية.
تفسير بيولوجي محتمل
تشير الفرضية العلمية السائدة إلى أن الخلايا التائية – وهي من أهم خلايا المناعة المسؤولة عن استهداف السرطان – تكون أكثر نشاطًا في ساعات الصباح. ويُعتقد أن وجود عدد أكبر من هذه الخلايا داخل الورم في هذا الوقت قد يعزز فعالية الأدوية المعروفة بمثبطات PD-1، التي تعمل على إزالة “القيود” التي يفرضها الورم على الجهاز المناعي.
ورغم الحماسة التي أثارتها النتائج، يدعو خبراء إلى توخي الحذر، مشددين على ضرورة تكرار التجربة في مراكز وأقاليم مختلفة للتأكد من ثبات التأثير.
دراسات تأكيدية جارية
بدأت بالفعل دراسات إضافية لاختبار فرضية التوقيت في أنواع أخرى من السرطان، مثل الميلانوما، بهدف التحقق مما إذا كان “موعد الجرعة الأولى” قد يكون عاملًا حاسمًا في نجاح العلاج على المدى الطويل.
ويأمل الباحثون أن يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام ما يُعرف بـ"الطب الزمني"، أي مواءمة مواعيد العلاجات مع الإيقاع البيولوجي للجسم، لتحسين النتائج دون الحاجة إلى أدوية جديدة، بل فقط عبر ضبط الساعة.








اضافةتعليق
التعليقات