• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

في ضيافة أنيس النفوس

هدى المفرجي / الأربعاء 07 آيار 2025 / اسلاميات / 1332
شارك الموضوع :

من زار الرضا (عليه السلام) عارفاً بحقه، فقد وجد كنزَ الدنيا والآخرة، فهو حبيبُ القلوب وسيدُ العارفين

كان الظلام ينسحبُ من سماء كربلاء كستارةٍ، والليلُ ينحني خجلاً أمام قدوم الفجر، لكن هذا الفجر لم يكن فجراً عادياً، بل كان بزوغَ نورٍ من عالم الغيب، نورٍ يُنادي الروح قبل الجسد. خطوتُ باتجاه المشرق، وكأنما الأرضُ تقلّني على أجنحة الشوق، وقلبي يُنازع بين الخوف واللهفة، بين هيبة المنتظر ولهفة الواصل. لم أكن أعلم أن تلك الخطوات ستقودني إلى حرم تُسبّح جدرانه، وتتنزّل فيه الرحمة كالمطر على الأرواح العطشى.

توقفتُ عند أبواب المدينة المقدسة، فاستقبلني عطرٌ لم تُدركه أنفاسُ البشر، كأنه نسمةٌ من فردوسٍ خفي، يملأُ الروحَ ويغسل الذنوب قبل الأجساد. شممتهُ، فذابت همومي، وتذكّرتُ كل دمعةٍ سقطت في محرابي، وكل دعوة خرجت من أعماق قلبٍ منكسر. هنا، عند باب الإمام الرضا (عليه السلام)، تُحَطُّ الأثقال، وتُرفَع الأكفُّ بخشوع، وكأنما الحرمُ ينطق: "أهلاً وسهلاً بزائرٍ يحبنا ونحبّه".

دخلتُ الحرمَ المطهر، فإذا النورُ يغمر كلَّ شيء، نورٌ ليس من شمسٍ ولا قمر، بل هو نورٌ من نور الله، نورُ وليٍّ أذِن له ربُّه أن يكون ملاذ العباد. نظرتُ إلى القبةِ الشريفة، وسقطت دموعي حروفاً من حكاياتٍ طويلةٍ من الشوق، وكأنما الإمام (عليه السلام) يمسحُ على جبيني ويقول: "كفاك حُزناً، لقد وصلت!". ثم جلستُ في زاويةٍ من زوايا الحرم، أسمع همسات الزائرين، كلهم يبكون ويشتكون، وكلهم يعلمون أنهم عند مَن لا يردُّ أحداً، يناجون: "يا غياثَ المستغيثين"، "يا بابَ الله المفتوح"، وصلواتٌ تتعالى، وأدعيةٌ تُرفع، وكأن الأجواء كلها ترتجف بين يدي الحبيب. الزمنُ هنا يتوقف، والدنيا تذوبُ كسراب، فلا وجودَ إلا لهذا المقام، ولا صوتَ إلا صوتُ القلبِ المنكسر بين يدي الإمام.

لم أدرِ متى غلبتني عيناي، ولكني صحوتُ على أذان الفجر، وأنا في فراشي، كأنما الرحلة كلها كانت حلماً، لكن العطرَ الإلهي ما زال يُحيط بي، ودفء تلك اللحظات ما زال يغمر روحي. فأدركتُ أنها لم تكن رؤيا، بل كانت زيارةً من نور، أو هي إجابةٌ لدعوةٍ قديمةٍ من القلب: "يا رب، أرِني وجهَ حبيبك".

واليوم، وأنا أكتبُ هذه الكلمات، أعلمُ أن قلبي لم يَعُد ملكي، فلقد تركتُه هناك، عند الضريح المقدس، بين يدي قول الإمام الكاظم (عليه السلام): "مَن زاره أو بات عنده ليلة، كان كمن زار الله في عرشه". فزيارةُ الإمام الرضا (عليه السلام) ليست مجرد سفرٍ للأجساد، بل هي رحلةُ الأرواح إلى بيتها، لقاءٌ مع حبٍّ لا ينتهي، ونورٍ لا يغيب.

فيا من تبحث عن الأمان في زمنِ الخوف، ويا من تئنّ من وحشة الدنيا، ائتِ حرمَ الرضا (عليه السلام)، فما من خائفٍ أتاه إلا وآمنه، ولا مكسورٍ إلا جَبَره، ولا تائبٍ إلا احتضنه. هو بابُ الله الذي لا يُغلق، وهو غياثُ مَن لا غياث له، في زمنٍ تطغى فيه الماديات وتغيب فيه القيم. لتبقى سيرةُ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) شمعةً تضيء دروبَ المحبة والحكمة، وتُذكّرنا بأن العظمة الحقيقية ليست في السلطة أو الجاه، بل في الإيمان العميق، والعطاء اللامحدود، والصبر الذي يبلغ عنان السماء.

فكيف لا يكون سفيرَ المحبة، وهو الذي فتح قلبه للخلق جميعاً، يعلمهم، يرشدهم، ويخفف آلامهم؟ فلقد جسّد اسمَه حقيقةً عظيمة: أن الرضا ليس مجرد قبولٍ بالأمر الواقع، بل هو حالةٌ من اليقين بأن كلَّ شيء بقدر، وأن العبودية لله هي أعلى مراتب الحرية.

فقد كان الإمام الرضا (عليه السلام) كالغيثِ الذي ينزل على أرضٍ قاحلة، يروي العقولَ بالعلم، والقلوبَ بالإيمان، ويهدي النفوسَ الحائرة، رغم أن حياته كانت سلسلةً من التحديات والمحن، من الظلم السياسي الذي تعرّض له، إلى محاولات تهميشه وإبعاده عن دوره القيادي، وصولاً إلى اغتياله المأساوي بالسم. لكنه، في كل هذه المحن، كان المثالَ الأعلى للصابر الشاكر، الذي لا يجزع، ولا ييأس، بل يتحول ألمه إلى نورٍ يهدي الأجيال.

فإنْ سألتَني: كيف عدتَ منه؟

سأقول: عدتُ بقلبٍ جديد، وروحٍ تُنادي:

"لقد رأيتُ النور، فلا أعودُ إلى الظلام".

فمن زار الرضا (عليه السلام) عارفاً بحقه، فقد وجد كنزَ الدنيا والآخرة، فهو حبيبُ القلوب وسيدُ العارفين. فمن يبحث عن الأمان في زمن القلق، وعن النور في ظلمات الحياة، فها هي مدرسة الإمام الرضا (عليه السلام) تُعلّم القلوبَ كيف تُحب، وتُربّي الأرواحَ على التقوى والعرفان. فالإمام الذي تُسبّح الأرضُ له، لم يكن إماماً عادياً، بل كان مظهراً لأسماء الله الحسنى. فمن نظر إليه بتعظيمٍ رأى في سَمْته هيبةَ الأنبياء، وفي عينيه رحمةَ الأولياء، وكان إذا ذُكر اللهُ ارتعدت فرائصُه، وإذا توضّأ اصفرّ لونُه من خشية الله. لذلك كان هو بابَ الله الذي لا يُغلق، فسمّي "غياثَ المستغيثين"، لأن كل ملهوفٍ ناداه وجده أمامه، وكل مكروبٍ استجار به أزال اللهُ كربه.

وقد قال الإمام الجواد (عليه السلام) عن أبيه الرضا: "ما زار أبي أحدٌ فأصابه أذًى من مطر أو برد أو حرّ، إلا حرّم الله جسده على النار".

فسلامٌ على أنيس النفوس ومنقذها من ضلالة الفكر وضياع النفس، سلامٌ على سلطان الأولياء وقرةِ عين المؤمنين، سلامٌ على من قيل فيه:

هذي فضائلُه كالشمسِ طالعةً

لم يعشُ عن ضوئِها إلا الذي تاها

فإنّه من كرامٍ طاهرين، لقد

صفّى ذواتَهمُ الباري وزكّاها

وإنهم فُلكُ نوحٍ فاز راكبُها

وخابَ تاركُها، والنارُ يصلاها.

الشيعة
اهل البيت
الايمان
الحب
الامام الرضا
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    اكسير الحياة وكيمياءُ الروح

    النشر : السبت 15 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    غانم المفتاح: المعجزة

    النشر : الأربعاء 07 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    كتب تَبْنِي مجتمعات

    النشر : الأربعاء 12 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    انخفاض عدد ساعات النوم يرفع من أخطار أمراض القلب

    النشر : الأحد 01 حزيران 2025
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    هل يمكن أن يكون الخجل شيئًا خطيرا على الأطفال؟!

    النشر : الخميس 04 آيار 2023
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    ماهو الرابط بين التدخين وكورونا؟

    النشر : الأحد 22 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 312 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 310 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 303 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 300 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 299 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 293 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 763 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 517 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 490 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 488 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 14 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 14 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 14 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة