استضاف أحد مذيعي التلفزيون المشهورين رجلًا متقدمًا في السن، وقدّمه في أحد برامجه. وكان هذا الرجل ممتعًا حقًا، إذ لم يكن قد أعدّ مسبقًا أي إجابة عن الأسئلة التي وُجّهت إليه، ولم يسبق له أن سردها على مسامع أحد، فخرجت إجاباته من أعماق نفسه، ومن قلب يشع بالسعادة. وقد أحبه الجميع، وترك أثرًا طيبًا في نفس المذيع.
وفي نهاية اللقاء سأله المذيع: «لا بد أنك تملك سرًا عجيبًا لهذه السعادة الغامرة؟».
فأجاب الرجل العجوز: «إنني لا أملك سرًا عجيبًا، فالأمر واضح كأنفك المثبت في وجهك. عندما أستيقظ في الصباح يكون أمامي أحد خيارين: إما أن أقرر أن أكون سعيدًا، أو أن أكون شقيًا. فماذا تظن أنني أختار؟ إنني أختار أن أكون سعيدًا، وهذا كل ما في الأمر».
قد يبدو هذا تبسيطًا للأمور أكثر من اللازم، وقد يظن البعض أن هذا الرجل سطحي، لكنني أتذكر أن أبراهام لنكولن، الذي لا يمكن أن يُتَّهم بالسطحية، قال يومًا: «في استطاعة الناس أن يصبحوا سعداء بقدر ما يعقدون العزم على ذلك».
يمكنك أن تصبح شقيًا إذا رغبت في ذلك، بل إن هذا من أسهل الأمور. كل ما عليك هو أن تقول لنفسك: «إن الأمور ليست على ما يرام، ولا شيء يدعو إلى الرضا»، وعندها سيخيم عليك جو من الشقاء.
أما إذا قلت لنفسك: «كل الأشياء تسير في سهولة ويسر، والحياة جميلة، وأنا سعيد بها»، فإنك ستحقق ما تريد.
للأطفال خبرة أعمق بالسعادة من البالغين، فالإنسان الذي يحتفظ بروح الطفل في كهولته وشيخوخته هو شخص جدير بالاقتداء، لأنه يحافظ على روح السعادة الحقيقية التي وهبها الله للصغار.
وقد تجلت هذه الحكمة في دعوة السيد المسيح إلى أن تكون لنا قلوب الأطفال وبساطتهم. وبعبارة أخرى، ينبغي ألا يصبح الإنسان عجوزًا في تفكيره، أو كسولًا، أو منهك الروح.
وقد أجابت ابنتي الصغيرة إليزابيث، حين كانت في التاسعة من عمرها، إجابة جميلة عن سر السعادة.
سألتها يومًا:
– هل أنت سعيدة يا عزيزتي؟
فأجابت:
– بالتأكيد، أنا سعيدة.
فسألتها:
– وهل أنت سعيدة دائمًا؟
قالت:
– نعم، أنا سعيدة باستمرار.
قلت لها:
– وما الذي يجعلك سعيدة؟
فقالت:
– لا أدري، ولكنني سعيدة.
ولما ألححت عليها قالت:
– حسنًا، سأخبرك. أصدقائي في اللعب يسعدونني، وأنا أحبهم. ومدرستي تسعدني، وأحب الذهاب إليها. وأحب معلميّ ومعلماتي، وأستمتع بمدرسة الأحد. وأحب أختي مارجريت، وأخي جون، وأحب أمي وأبي، فهما يعتنيان بي عندما أمرض، ويغمرانني بالحب والعطف دائمًا.
كانت هذه هي الوصفة التي قدمتها إليزابيث لسر السعادة، وأعتقد أنها أصابت كبد الحقيقة.
فالأصدقاء، والمدرسة، ومكان العبادة، والأسرة التي تسودها المحبة، جميعها تشكل البيئة التي تنمو فيها السعادة. وسر سعادتك يتوقف إلى حد كبير على طبيعة علاقتك بهذه الأمور.
وطُلب يومًا من مجموعة من الأولاد والبنات أن يكتبوا قائمة بالأشياء التي تجعلهم سعداء، فجاءت إجاباتهم مؤثرة.
كتب الأولاد:
«عصفور الجنة وهو يحلق في السماء، والمياه الصافية الغزيرة، والقارب الصغير يشقها، والقطار السريع، والرافعة وهي ترفع حملًا ثقيلًا، وعينا كلبي».
أما البنات فكتبن:
«أضواء الشوارع المنعكسة على صفحة النهر، والأشجار المكسوة بالأوراق الحمراء، والمخمل الأحمر، والقمر الذي تحيط به الغيوم».
وتكشف القائمتان أن مصدر السعادة يكمن في جمال الطبيعة، حتى وإن لم يعبر الأطفال عن ذلك بصورة مباشرة.
ولكي تصبح إنسانًا سعيدًا، عليك أن تمتلك روحًا شفافة، وعينين تبصران الجمال في كل ما يحيط بك، وقلب طفل، وبساطة في الروح.
إن كثيرين منا يصنعون شقاءهم بأيديهم، ولا يعني ذلك بالطبع أن كل شقاء من صنع الإنسان، فالعوامل الاجتماعية مسؤولة إلى حد كبير عن كثير من الويلات التي نصادفها في الحياة. لكن الحقيقة أننا، في كثير من الأحيان، ننسج لأنفسنا من خيوط الحياة نسيجًا من السعادة أو نسيجًا من الشقاء.
يقول أحد النقاد المشهورين:
«إن أربعة أشخاص من كل خمسة ليسوا سعداء كما ينبغي أن يكونوا».
ويضيف:
«إن الشقاء أكثر الحالات انتشارًا في قلوب الناس وعقولهم».
ورغم أنني لا أتفق معه تمامًا، فإنني رأيت عددًا لا يحصى من الناس يعيشون في شقاء لا مبرر له، مع أن الرغبة الأساسية لدى كل إنسان هي أن يكون سعيدًا.
ولذلك علينا أن نبذل جهدًا لتحقيق هذه الرغبة، فالسعادة حالة يمكن الوصول إليها، والطريق إليها ليس معقدًا. فمن يرغب فيها بصدق، ويعقد العزم على بلوغها، ويطبق المبادئ الصحيحة، فلا بد أن يحققها.
ذات مرة، وأثناء إحدى رحلاتي بالقطار، جلست مقابل رجل وزوجته لم تكن لي بهما معرفة سابقة. كانت السيدة ترتدي ملابس فاخرة، وقد بدا ذلك واضحًا من فرائها الثمين ومجوهراتها النفيسة، لكنها، رغم ذلك، كانت تبدو تعيسة للغاية.
أخذت تعبر بصوت مرتفع عن استيائها، فاشتكت من أن العربة قذرة، وأنها تتعرض لتيار هواء مزعج، وأن الخدمة سيئة، وأن الطعام بلا طعم. وباختصار، كانت تتذمر من كل شيء.
أما زوجها، فكان على النقيض تمامًا؛ رجلًا لطيفًا، ودودًا، سهل المعشر، يتقبل الأمور كما هي. وشعرت أنه كان محرجًا من تصرفات زوجته، ولا سيما أنه كان قد اصطحبها في هذه الرحلة خصيصًا للترويح عنها.
ولتغيير مجرى الحديث، سألني عن طبيعة عملي، ثم أخبرني أنه يعمل محاميًا، قبل أن يرتكب – على حد وصفه – خطأً عندما أضاف، وقد بدا الضيق على وجهه:
«أما زوجتي فتعمل في الصناعة».
استغربت كلامه، إذ لم تبدُ لي من النوع الذي يعمل في مجال صناعي أو إداري، فسألته:
– وماذا تصنع؟
فأجاب مبتسمًا بمرارة:
«إنها تصنع الشقاء... تصنع شقاءها بنفسها».
ورغم الصمت الذي خيم على المكان بعد هذه العبارة، فإنني شعرت في داخلي بأنه وصف حال كثير من الناس بدقة. فكم من إنسان يصنع تعاسته بيديه، مع أن الحياة نفسها لا تخلو من المصاعب.
من غير الحكمة أن نضيف إلى متاعب الحياة أعباءً أخرى نصنعها بأنفسنا. فكثيرًا ما ينشأ الشقاء عندما نسمح للأفكار السلبية بالتسلل إلى عقولنا، أو نتبنى مواقف خاطئة تجاه الآخرين، كأن نعتقد أنهم ينالون ما لا يستحقون، أو أننا محرومون مما نستحق، أو أن الدنيا كلها تعمل ضدنا.
وقد ينبع الشقاء أيضًا من الكراهية، وسوء النية، والخوف، والقلق، وهي مشاعر تجعل النفس مرتعًا للتعاسة.
وسوف يتناول الكاتب هذه المشاعر بالتفصيل في فصول أخرى من الكتاب، لكنه يؤكد هنا أن جانبًا كبيرًا من شقاء الإنسان يعود إليه هو نفسه، وأن التغلب عليه يبدأ بتغيير طريقة التفكير.
وأذكر في هذا السياق حادثة أخرى وقعت لي أثناء السفر. ففي إحدى عربات القطار، اجتمع عدد من الركاب صباحًا في غرفة الحلاقة، وكان التعب بادياً على الجميع بعد ليلة طويلة من السفر، حتى إن المكان خيّم عليه الصمت، ولم يتبادل الحاضرون سوى كلمات قليلة.
وفجأة دخل رجل تعلو وجهه ابتسامة عريضة، وألقى علينا تحية صباحية مفعمة بالحيوية، لكنه لم يتلقَّ سوى ردود فاترة.
وبينما كان يحلق ذقنه أخذ يدندن لحنًا جميلًا، الأمر الذي أثار استغراب بعض الموجودين، فقال له أحدهم ساخرًا:
– يبدو أنك سعيد جدًا هذا الصباح، فما سر هذا الانشراح؟
ابتسم الرجل وقال:
«نعم، أنا سعيد فعلًا، وأشعر ببهجة كبيرة، لأنني اعتدت أن أكون سعيدًا».
لم يقل أكثر من ذلك، لكنني على يقين بأن كلماته بقيت ترن في آذان كل من كان حاضرًا:
«لقد اعتدت أن أكون سعيدًا».
إنها عادة، والعادات هي التي تصنع حياتنا. فسعادتنا أو شقاؤنا يتوقفان، إلى حد كبير، على نوع الأفكار التي نغذي بها عقولنا.
ولهذا جاء في سفر الأمثال:
«كل أيام الحزين شقية، أما طيب القلب فوليمة دائمة».
أي ازرع في نفسك عادة التفاؤل، وردد دائمًا:
«أنا بخير جسديًا، وعقليًا، وعاطفيًا. الحياة تستحق أن تُعاش، وأنا ممتن لكل ما أملكه، ولكل ما سأحصل عليه. الأمور تسير على خير ما يرام، والله معي يرعاني ويقودني إلى النهاية، وأنا أشكره على نعمه كلها».
وقد عرفت رجلًا كان يبدأ كل صباح وهو يردد أمام زوجته:
«يوم آخر قاسٍ ينتظرني».
وكان يظن أن مجرد قوله ذلك سيهيئه لمواجهة الظروف، لكن الأيام كانت تأتيه أكثر صعوبة، لأن الإنسان كثيرًا ما يعيش وفق ما يرسخه في ذهنه.
لذلك، ابدأ يومك دائمًا بتوقع الخير، وستندهش من أثر هذه النظرة في حياتك.
غير أن ترديد العبارات الإيجابية وحده لا يكفي، بل ينبغي أن يرافقه سلوك عملي، يقوم على التفكير السليم، والنظرة المتفائلة، وحسن التعامل مع الآخرين.
ومن أهم الأسس التي تبني حياة سعيدة: المحبة الإنسانية، والنية الطيبة، والإحسان إلى الناس، فهي الطريق الأقصر إلى راحة النفس وسلامها.








اضافةتعليق
التعليقات