• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

نشيج الأرجوان

زينب الاسدي / الأربعاء 31 آب 2022 / ثقافة / 2446
شارك الموضوع :

كانت تفوح في الأرجاء رائحة الياسمين الدمشقيّ القادمة من حدائق المَلِك المجاورة تتخلّلها أحيانًا رائحة أشنع

 الشوكة

وصل الليل ثقيلًا كالكابوس وأنا أتدحرج في خرائب المجهول بعد يوم طويل شاقّ ومضن، كان التعب ينخر أعماقي المتهالكة وثمّة شوك لا يني يخزني في باطن قدمي اليسرى يزيد أوجاعي تراكمًا موحشًا.

كانت تفوح في الأرجاء رائحة الياسمين الدمشقيّ القادمة من حدائق المَلِك المجاورة تتخلّلها أحيانًا رائحة أشنع زهومة من سمك متفسّخ تنبعث من أرض الخربة التي تمّ احتجازنا فيها، تَزكُم الأنف وتَهَب الواقع لمسة كريهة أخرى.

في السماء كانت النجوم تغمز الخليقة غير مكترثة بالزمن العابث بالدمى البشريّة، كانت إحداها تلتمع بإيقاع مختلف، تمنّيت لحظتها أن أُصبح مثلها صغيرة، لامعة تزفّ الضياء للأرواح الذاوية كلّما أطلّت في المساء عبر القرون المتمادية.

تحرّكتُ يمنة ويسرة فَسَرَتْ نفضة مؤلمة لضربة سوط على كتفي تَرَكتْ جرحًا ينتفضُ كلّما يطرُقُ النعاس جفوني.

كان محمّد يتقلّب في الجانب الآخر يتوسّد التراب ويلتحف السماء إلى جانب أخي السجّاد الذي أخَذَتْ منه العلّةُ كلّ مأخذ فلم يتبقَّ منه سوى شبح إنسان يحاول انتشال ذاته المتناثرة في صروف الأيّام.

كانت عينا محمّد مفتوحتين تلتمعان كدرّتين متلألئتين وكأنّه يفكّر بأمر ما، بدا ذلك واضحًا في ملامحه الصغيرة ذات الأربعة أعوام.

أخذتُ أُحصي أصوات الليل المنبعثة من تَدحرُج الحصى إثر تقلّب النائمين، صليل القيود، ضحكات الجنود المجلجلة عند الباب، وأنين لوجع خافت يطفح فوق ذرى الفجيعة.

لاحَظَت عمّتي ارتحال النوم من عيني فجاءَت ووَضَعَتْ رأسي في حضنها فغمرتني موجة هادئة غفوت على إثرها.

عالم النائمين عجيب وغريب وكأنّه باب يفتحه الإله ليهبك النسيمَ في يوم قائظ فيُحيلُ صحاريك القاحلة إلى وديانٍ وسهولٍ ونهرٍ عذب يُطرب خريرُه الأسماع.

رأيتُ في تلك الليلة والدي عائدًا من انفراجات المجهول يتسربل بأثواب من الاستبرق والحرير، مضمّخًا بعطر الجنان، حضنني وعصرني عصرة شعرتُ بضغطها وأنا أستمع لدقّات قلبه المنتظمة، لَمَستُ وجناته الباسمة، مسّدتُ لحيته وأبحرتُ في عينيه فوجدتُ أوكارًا للصقور تُفصح عن شموخ لم أجده في عيون أحد من قبل، رافق ذلك ابتسامةٌ عذبة ورجاءٌ ناعم طفحتْ به الأحاسيس وهو يومئ بإشارة تدعوني إليه.

تصاعَدَتْ أنفاسي واشتدّ النبض في قلبي، تمسّكتُ به بكلّ ما أُوتيتُ من قوّة خوفًا من أن يقرّر السفر مرّة أخرى ويتركني!

غرقتُ في غمرة لذّة غسقيّة طَرَبَتْ لها نفسي، مفادُها أنّه لقاء أبديّ لا فراق بعده، ولكن تلك الشوكة اللعينة نغزتني مرّة أخرى فتبدّد الحلم وطار فجأة كما جاء وانبرى الطيف يتشبّث بتلابيب خواطري المضمحلّة ويغيب في اللامكان، بينما رحتُ ألوذ بالصراخ والبكاء كخيط أمل رفيع علّ أحدهم يعيد لي والدي.

السابلة

وصلنا الشام أخيرًا بعد رحلة موحشة رافقتنا فيها الشياطين قافزة من حولنا ومكشّرة عن أنياب يَعلوها القَلَح تهوي بسياطها علينا لترتشف من آمالنا نسغ التسافل المتمادي.

اجتزنا بوّابة الساعات نجوس الطرقات العارجة الملتوية تطعنُنا العيون كالنصل المسنون وتستقبلنا الزغاريد والأهازيج ودمدمة الطبول التي تُثير عفونة الأعماق وتختلط معها بمزيج واحد من النتانة، بينما نسير مكبّلين بالحديد نترنّح كأعواد يابسة أو كهشيم تذروه الرياح.

وصلنا إلى خربة قرب المساء، كانت رقيّة متهالكة تستتر بثوبٍ بالٍ تَمَزَّقَ في أذياله وحناياه، حافية كما نحن جميعًا، تشتكي من شوكة في قدمها بين الفينة والأخرى فتتماوج الحيرة في عيني عمّتي، ارتميتُ في ركن أحاول النوم جاهدًا ولكنّه تجافى عنّي عندما عاودني التفكير بطريقة يمكن إخراج الشوك من الأقدام الصغيرة، أدخلتني الفكرة في دروب ملتوية، لاح في خاطري الملقط الذي كانت والدتي تستخدمه عند نقل الجمار في عمليّة الطهي والخَبز، شيء مثل هذا يمكن أن يفي بالغرض، أهمّ ما في الأمر أن يكون صغيرًا ودقيقًا يلائم رأس الشوك النابت وفجأة لاحت لي فكرة، لو أخذنا سعفتين مدبّبتين وقمنا بربطهما بطريقة مُعيّنة سنشكّل ملقطًا ربّما يساعدنا في ذلك.

اجتاحتني هالة طمأنينة لهذا الحل وغرقتُ في نوم عميق فُقتُ منه مرارًا من صوت رقيّة ولكنّي عدتُ للنوم مرّة أخرى من شدّة التعب ظنّي أنّها تتألّم من الأشواك وأنا أعزِم على صناعة الملقط في الصباح.

استيقظتُ مع أولى تباريح الفجر على أصوات الصراخ والعويل التي اشتدّت من كلّ جانب، كانت عمّتي تلتاع وتتحرّق بصورة مخيفة هذه المرّة وأبي بدا كجثّة هبط إلى الأرض متكوّرًا مُثقلًا بهموم الليلة الليلاء، كانت رقيّة مسجيّة في ركن دون حراك، لعلّها نائمة!

رحتُ أبحثُ عن سعفة يابسة في الجوار، قطعتُ منها جزئين مدبّبين ربطتُهما بصورة متقابلة بخيط سحبتُه من ثوبي البالي وتسلّلتُ خلسة حتّى اقتربتُ منها، كانت نائمة وكأنها في حضن الملائكة، رفعتُ الملاءة فانكشفتْ قدماها الصغيرتان، انحنيتُ قليلًا فبانتْ رأسُ الشوكة المدبّبة، مددتُ يدي وبحركة دقيقة موزونة أمسكتُ بها وسَحَبتُها من قدمها.. ولكن لم تُسعفني السعفة البالية فانكسر رأسُها وانكسرت تباعًا الآمال البلوريّة الشفيفة التي صيقلتُها في أتون المساء؛ فتراجعتُ إلى الوراء وأنا أفكّر: لابدّ من طريقة أخرى..

عاشوراء
الامام الحسين
السيدة رقية
قصة
الظلم
الطفولة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    عطش الغرقى ..

    عطش الغرقى ..

    الأحد 15 حزيران 2025/
    مذهب اللا مبالاة ...الفتاة والضفيرة والمارّة الصامتون

    مذهب اللا مبالاة ...الفتاة والضفيرة والمارّة الصامتون

    السبت 24 آيار 2025/
    قدح الزنبق السحري

    قدح الزنبق السحري

    الخميس 20 آذار 2025/
    جموح التراتيل

    جموح التراتيل

    الأثنين 10 شباط 2025/
    الماء والنوارس

    الماء والنوارس

    الخميس 30 تشرين الثاني 2023/
    ضجيج الكرى

    ضجيج الكرى

    الثلاثاء 08 آذار 2022/

    آخر الاضافات

    ظاهرة BookTok كيف أعادت خوارزميات الشاشة تشكيل سوق الكتاب الورقي؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    هل أنتم سعداء؟!

    حساسية الخريف.. أعراض موسمية تزداد مع تغير الطقس

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    تقبّل.. فما حدث قد حدث

    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية

    آخر القراءات

    ملتقى البحرين: قبس من أنوار النبوة والإمامة

    النشر : الأثنين 18 آيار 2026
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ

    النشر : الثلاثاء 08 حزيران 2021
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    كيف تصبحين انسانة مبدعة؟

    النشر : الخميس 22 آب 2019
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    لا تقتليه.. عالجي نظراته!

    النشر : الثلاثاء 28 آيار 2019
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    اكسروا كبرياء الصمت مع آبائكم

    النشر : السبت 26 تشرين الاول 2019
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    سفير الحسين بين الدعوة والشهادة

    النشر : الخميس 31 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 868 مشاهدات

    أفكار ذكية لغرفة المعيشة في شقة اقتصادية

    • 398 مشاهدات

    حقن نفسه ببكتيريا عمرها 3.5 مليون سنة: هل اكتشف إكسير الخلود أم فتح أبواب الجحيم البيولوجي؟

    • 318 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري عليه السلام: القيادة في ظل الرقابة العباسية

    • 309 مشاهدات

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد

    • 308 مشاهدات

    الشيطان أعلن خطته كاملة في القرآن... فهل قرأتها؟

    • 299 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 1018 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 868 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 733 مشاهدات

    من جابر إلى صاحب الزمان… فلسفة المشاركة في نهضة الإمام الحسين

    • 629 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 605 مشاهدات

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 599 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    ظاهرة BookTok كيف أعادت خوارزميات الشاشة تشكيل سوق الكتاب الورقي؟
    • منذ 48 دقيقة
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟
    • منذ 58 دقيقة
    هل أنتم سعداء؟!
    • منذ 2 ساعة
    حساسية الخريف.. أعراض موسمية تزداد مع تغير الطقس
    • منذ 2 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة