• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

جموح التراتيل

زينب الاسدي / الأثنين 10 شباط 2025 / ثقافة / 2063
شارك الموضوع :

كان صرير القلم يُحدِث لحنًا ملكوتيًّا قادرًا أبدًا على تحريك الكون دفعة واحدة، وكأني بحشود الملائكة قد اجتمعت

كانت حوافر الخيل تنتهك هدوء الليل وتبث في قلوب النخعيين الفزع والهلع وهي تجوب الطرقات الضيقة والمتعرّجة في الكوفة، وقف حشد العسكر على إحدى البيوت وبدؤوا بطَرق عنيف ثم ما لبثوا أن خلعوا الباب ودخلوا عنوة، كانت في الدار عجوز تغزل الصوف إلى جانبها فتاة لم تتجاوز العاشرة تتناثر خصلات شعرها الجميلة على كتفها كاستهزاء بكل القبح المحيط بها، هرعت الفتاة إلى حضن جدّتها بينما أخذ الجنود يدخلون الدار ويصعدون السطح ويبحثون في كل مكان، ولمّا لم يجدوا من يبحثون عنه اقترب أحدهم من العجوز حتى فاحت رائحة فمه الكريهة ودخلت رأسها متجاوزة الأنف وتعرّجاته، ثم زعق في وجهها:

لماذا لا تُسلّمون طريدكم يا بني نخع، أين كميل؟ هل يروقه أن يرى بني قومه يعيشون القحط والخوف ويتضوّر صغارهم من الجوع؟!

أخبروه أن يسلّم نفسه فالحجّاج لن يترككم ما لم يعثرعليه، ثم نظر ناحية الطفلة وكشّر عن نابين نخر في أحدهما الدود وهو يقول: مازالت هذه اليتيمة في رعايتك يا امرأة؟ ألا تريدين من يعينك على حِملها؟ ثم مدّ يده يداعب وجناتها فجرّتها العجوز في حضنها، وحدجته بنظرة حادّة ثمّ صاحت غاضبة:

- ابتعد عنها أيها الجبان، إنها صغيرة لا ذنب لها فيما يقترف الكبار ..

فابتعد الأخير آمرا جنوده بالانسحاب وهو يقول: قولي لكميل أن يسلّم نفسه وإلا سيكون لنا عمل كثير مع بني نخع أصدر بعدها ضحكة مجلجلة وخرج من البيت وغاب هو وجنوده في بطن الظلام ..

نظرت الفتاة نظرة خوف مليئة بالانكسار إلى جدّتها التي أخذت تدثّرها برداء آخر وهي تظنّ أنها سوف تحميها من كل شرور الكون كلما زادت تغطيتها، قالت الفتاة:

جدتي ماذا يريد هؤلاء من العمّ كميل؟!

أطلقت الجدّة تنهيدة عميقة وأخذت تنبش ما دُفن في ذاكرتها العتيقة علّها تجد ما تسرده للصغيرة لكنها لم تجد إلا الدمار فقالت:

- لا عليك عزيزتي، لا تفكري بالأمر، ولكن سوف أعطيك سرّا من الأسرار التي أعطاني إياها عمك كميل، تَعلّميه وردّدي معي ..

كان كميل بن زياد شيخًا قد بلغ السبعين من العمر قضاها في ركاب علي (عليه السلام) حتى استخلص من ينبوعه سر الأسرار وكنه الحقائق والحكمة، وقد طلبه الحجاج للقضاء عليه.

كانت الشمس قد اجتمعت فوق المدينة تبعث بأشعتها كرشق سهام متواصلة لا تهدأ، تجاوز كميل الطرقات الملتوية، شاهد في جانب الزقاق معزة قد التف الحبل برجلها ومنعها من الحركة، كانت تنظر إليه بالتماس فانحنى ناحيتها وفتح الحبل ثم ما لبث أن استأنف الطريق مارًّا بالسوق الذي امتلأ بأصوات الباعة، حتى وصل إلى قصر الإمارة، كان القصر شاهقًا قابعًا في مكانه مثل لعنة أبدية تراكمت في الكوفة، ما إن وصل الباب حتى تم إلقاء القبض عليه وسيق به نحو الحجاج، كان الأخير متربّعًا على كرسيه مترنّحًا تكسوه ثياب مطرّزة بالذهب والمرجان وطيلسان مخملي ..

تفوح في المكان رائحة الموت الذي أخذ يحوم حول رأسه، ما إن رآه الحجّاج حتى أطلق ضحكة غريبة جافّة لا روح فيها ولا نداوة، ضحك في البداية من حلقومه ثمّ توالت الضحكات موجة بعد موجة، تبعتها ضحكات مجلجلة من ندمائه وهو نصف مستلق بيده كأسه: هل هذا أنت يا كميل، قائد جيوش علي نهارًا ومستودع أسراره ليلًا؟ لا أصدّق لقد هرمتَ يا رجل وأصبحت مثل رمّانة هزيلة ثم أطلق ضحكة أخرى..

كانت رائحة الموت تشتدّ أكثر فأكثر ثم ما لبثت أن انقطعت عندما أغمض كميل عينه وهام في حقبة كان جالسًا بين يدي علي في البصرة مع جمع من الرجال، كان الجو يحمل في أحشائه رطوبة النهر القريب بينما يحوم في الأفق سرب من الحمام ينتعش بحريته المطلقة قام من بينهم رجل وسأل عليًّا عن قوله تعالى (فيها يفرق كلّ أمر حكيم) فأومأ الإمام إليه بإيماءة لطيفة تحدوها ابتسامة مفعمة بالأمل ثم قال:

-هي ليلة النصف من شعبان، ثم استأنف: والذي نفس علي بيده.. ما من عبد إلا وجميع ما يجري عليه من خير أو شرّ مقسوم له في ليلة النصف من شعبان إلى آخر السنة في مثل تلك الليلة المقبلة، وما من عبد يحييها ويدعو بدعاء الخضر (عليه السلام) إلاّ اُجيب له ..

ازدحام البوح

كميل

بعثت كلمات علي (عليه السلام) في خاطري تساؤلًا كلّما قلّبتُه مرارًا في حيّز جمجمتي حتى المساء لم أجد له جوابًا؟ كان يدقّ مثل شاكوش ضئيل في مكان ما من رأسي فيُحدث إيقاعًا متواصلًا لا ينقطع، حتى أوشكتُ أن لا أرى أمامي وأضيع الطريق، كانت زوجتي تناديني فلا أسمع نداءها والأطفال يتقافزون من حولي فلا أفطن لقربهم، لم أستطع الصبر، قمتُ في هدأة الليل وسكونه وتوجّهتُ إلى بيت علي، طرقتُ الباب طرقات خفيفة خشية أن يكون النوم قد غشي أهل البيت، فجاء صوته وديعًا ولكنّه مهيب الوقع في نفس الوقت:

- من الطارق؟ أجبته أنا كميل، فتح الباب واستأنف بصوت خفيض ينطوي على بعض الاستغراب ولكنّه هادئ وحنين:

 ما جاء بك يا كميل ؟ فقلتُ وقد بان الحرج في صوتي :

دعاء الخضر يا مولاي، توجّه علي ناحية سراج كان قد خفت ضياؤه فأشعله ثمّ تناول كأسًا من الماء شرب منه شربة وقال مثل من يهمّ بالقيام بأمر عظيم:

اجلس يا كميل، إذا حفظت هذا الدعاء فادع به كلّ ليلة جمعة، أو في الشهر مرّة، أو في السنة مرّة، أو في عمرك مرّة؛ تُكف وتُنصر وتُرزق ولن تُعدم في المغفرة.. ثمّ مدّ يده ناحية السراج وزاد من شعلته وقال:

- اكتب يا كميل.. كان صرير القلم يُحدِث لحنًا ملكوتيًّا قادرًا أبدًا على تحريك الكون دفعة واحدة، وكأني بحشود الملائكة قد اجتمعت تؤمّن وتؤبّن على ما يُملي عَلي (عليه السلام) ..لم أفق بعد تلك الغفوة في مجلس الحجّاج، بل رحتُ أحلّق في فضاء مليء بالعطر مثل سرب الحمام الذي رأيته، منتعشًا بالحرية المطلقة في الأفق الرحب .

حلّ المساء رويدًا رويدًا يلتحف طرقات الكوفة ويتستّر على كلّ اقترافات العُصاة، يكسر جبروته ثغاء معزة التفّ الحبل برجلها ... يخالطها صوت عجوز تلقّن صغيرتها : اللّـهمَّ إنّي أَسأَلك برحمتك الَّتي وسعت كلَّ شيء، وبقوَّتك الَّتي قهرت بها كلَّ شيء، وخضع لها كلُّ شيء، وذلَّ لها كلُّ شيء ... واستمرّت ترتّل سفرها المكنون وكأنها تغرف من معين عذب وتصبّ في كبد حرّى ..

الامام علي
الايمان
قصة
الدعاء
شهر شعبان
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    عطش الغرقى ..

    عطش الغرقى ..

    الأحد 15 حزيران 2025/
    مذهب اللا مبالاة ...الفتاة والضفيرة والمارّة الصامتون

    مذهب اللا مبالاة ...الفتاة والضفيرة والمارّة الصامتون

    السبت 24 آيار 2025/
    قدح الزنبق السحري

    قدح الزنبق السحري

    الخميس 20 آذار 2025/
    الماء والنوارس

    الماء والنوارس

    الخميس 30 تشرين الثاني 2023/
    نشيج الأرجوان

    نشيج الأرجوان

    الأربعاء 31 آب 2022/
    ضجيج الكرى

    ضجيج الكرى

    الثلاثاء 08 آذار 2022/

    آخر الاضافات

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    تقليل الأطعمة فائقة المعالجة قد يخفف أعراض الاكتئاب والقلق

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    آخر القراءات

    كيف تؤثر تغيرات الكتلة العظمية على الإنسان مدى الحياة؟

    النشر : الخميس 16 كانون الأول 2021
    اخر قراءة : منذ 52 دقيقة

    إحسانٌ بلا إذلال: رؤية جديدة لتمكين الفقراء وتحريرهم من السؤال

    النشر : السبت 02 آيار 2026
    اخر قراءة : منذ 52 دقيقة

    هل تفقد الأطعمة قيمتها الغذائية عند التجميد؟

    النشر : الثلاثاء 16 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 52 دقيقة

    الامام علي

    النشر : السبت 25 تموز 2020
    اخر قراءة : منذ 52 دقيقة

    رُبَّ صمتٍ أبلغُ من ألفِ تصريحٍ أجوفَ: استراتيجيات حكيمة للمسؤولين

    النشر : الخميس 20 تشرين الثاني 2025
    اخر قراءة : منذ 52 دقيقة

    أصناف الناس قرآنياً.. بين سلم التكامل والتسافل ٥

    النشر : الأحد 06 نيسان 2025
    اخر قراءة : منذ 52 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 314 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 303 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 303 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 299 مشاهدات

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    • 293 مشاهدات

    العمل الجماعي في التخطيط

    • 291 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 764 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 623 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 530 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 518 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 491 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 491 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره
    • منذ 3 ساعة
    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة
    • منذ 3 ساعة
    تقليل الأطعمة فائقة المعالجة قد يخفف أعراض الاكتئاب والقلق
    • منذ 3 ساعة
    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • الثلاثاء 06 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة