• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

عطش الغرقى ..

زينب الاسدي / الأحد 15 حزيران 2025 / اسلاميات / 968
شارك الموضوع :

لقد قرأ عنه عشرة آلاف كتاب من أوّله إلى آخره وراجع مئة ألف .. متبعثرة في أصقاع البلاد البعيدة والقريبة

كانت المكتبة غارقة في ظلام فارض لا يظهر من جدرانها العالية سوى رفوف الكتب المحملة بالمجلدات ذات الأغلفة الجلدية المتشقّقة وقد التصقت بعضها ببعض ككائنات أسطورية احتكرت القصص والحكايا وحصرتها بين الدفتين، تسطو على الأجواء رائحة عتيقة تصدر من صفحاتها الصفراء ذات الحبر القديم والمحمّلة بغبار متراكم، كسر سكون الليل صرير الباب الخشبي المتهالك الذي أغلقه أمين المكتبة بعد أن أخذ شيئًا من الدنانير ..

كان الظلام شبه كامل ما عدا شمعة خافتة الضوء أخذت على عاتقها عبء مشاكسة جبروت الظلام.

جلس عبد الحسين تحدوه الخواطر والأفكار الدبقة التي لا تنفكّ تلتصق بعقله وما هي إلا هنيهة حتى انسلخت روحه كالعادة متسلّلة من بين جنبيه لتمتزج بالفضاء سارحة مستمتعة بالسكون الذي يهديه الليل إلى ذوي النفوس الصاخبة، لم تكن هذه المرة الأولى التي تتسلّل روحه لتنطلق في الآفاق الرحبة، فقد ألف هذه الحالة وانقاد لهذه الروح التي ما انفكّت تطير في أصقاع العالم لا تستقرّ بمكان، كان يعرف أنها تبحث عن غدير ينضح بماء الخلود..

كان عبد الحسين عاشقًا، يعيش عذابًا عَذْبًا بعشقه الفسيح، يحترق في اليوم عشرات المرات كلّما يتجلى له الحبيب في نسمات الربيع وإشراقة الصباح، يا له من انسلاخ حلو هذا الذي تعيشه الروح الباحثة عن تجلّيات المعشوق ..

لقد قرأ عنه عشرة آلاف كتاب من أوّله إلى آخره وراجع مئة ألف .. متبعثرة في أصقاع البلاد البعيدة والقريبة ..

ذات مرّة تاهت هذه الروح المشاكسة في بلاد الهند الحارّة حيث تبدأ أشعّة الشمس في كل صباح صيفي بفرض سطوتها اللا محدودة محوّلة الشوارع إلى فرن حامٍ يساعدها في ذلك الهواء الثقيل والرطب، كان يجوب الأزقّة الهندية بثيابه المتواضعة متنقّلا من مكتبة إلى مكتبة، يمرّ في أسواق مكتظّة محاولًا تجاوز الزحام، بينما تتضارب أصوات الباعة وقرع الأواني مع أفكاره، كان يمشي مسافات طويلة لا تُثني عزيمته شمس ولا مطر، يتوقّف خلالها مارًّا على المكتبات الصغيرة وأكشاك الكتب المستعملة، ليتأمل كتابًا قديمًا كأنّه كنز ثمين وكلّه أمل أن يجد كتابه المنشود هناك.. في قارعة الأمنيات. 

كان عقله منشغلًا بالمعرفة بينما تكابد أحشاؤه ضراوة الجوع وقسوة العيش. 

الكتب كانت خارطة تقوده إلى طريق الحبيب ..

في مرّة أخرى ساقته هذه الروح التوّاقة إلى بغداد عند أحد مناوئيه ممّن رفضوا نهجه، شيخ من نوع آخر، حاول أقرانه أن يصرفوه من الذهاب إليه ولكنهم أخفقوا، عندما وصل إلى هناك طرق الباب طرقات عدّة حتى فُتح له، نظر إليه الرجل الكهل بملامحه الجافّة والباردة ثمّ سأله عن اسمه وماذا يريد؟ نظر عبد الحسين نظرة نحو الأفق الرحب ومداه البعيد، كانت كلماته ستختصر الطريق إما نحو الجنّة وإما نحو الغدير وكلاهما رائق فأجاب: 

أنا عبد الحسين الأميني، جئت من النجف أطلب كتابًا أعرف أنه عندك ولا أجده في مكان آخر، بَهِت الرجل وارتسمت على وجهه ملامح من ابتلع شيئًا مرًّا تعبيرًا عن أنّه لا يستسيغ هذا الكلام، ثم سأله مغتاظًا:

- هل أنت عبد الحسين الأميني حقًّا؟! من الذي جاء بك إلى هنا وماذا لو امتنعتُ عن إعطائك الكتاب؟ 

أطلق عبد الحسين عباءته التي كان قد رفعها نصف رفعة ووضع رزمة دفاتره وأغراضه أرضًا ثم قال:

أخبرني بذلك مولاي علي (عليه السلام) وقال لي أنك سوف تعيرني الكتاب شئت أم أبيت، انتاب الرجل شيء من الرهبة الممزوجة بالخضوع والاستسلام أمام هذا الكائن الملكوتي الواقف أمامه بجسمه النحيل وحضوره السماوي، أطرق برأسه قليلًا ثم قال:

- ولكنني لا أعرف أين الكتاب؟ فأجابه عبد الحسين وهو يمسح حبّات العرق الزاحفة من جبينه:

- أنا أعرفه!

عندها دخلا وتجاوزا الدرجات الملتوية نحو الدور الثاني حيث المكتبة التي أكلها الغبار المنتشر فوق الكتب والمخطوطات والرفوف والثريات النحاسية القديمة من زمن الأجداد، مدّ عبد الحسين يده وأخرج الكتاب المنشود المحشور بين آلاف المجلّدات الصغيرة والكبيرة فبُهت الشيخ وصُعق ممّا يرى غير مصدّق عينيه فلم يجد بدًّا من إعطائه الكتاب .

كانت هذه الإشارات توصله دومًا إلى نقطة الضوء التي تلتمع في دهاليز التيه الموحشة التي اختار السير فيها ..

قضى عبد الحسين تلك الليلة كلها في المكتبة منشغلًا بالبحث والدراسة كدأبه في كثير من لياليه الطوال حتّى خالط صخب الصباح صوت صرير الباب الخشبي العتيق والتي فتحها أمين المكتبة وسمح لعشرات الباحثين من العلماء أن يبدؤوا عملهم منذ تباشير الفجر الأولى، أما عبد الحسين فجمع أقلامه ودفاتره وخرج متوجّهًا إلى بعض شؤونه وقد ازداد يقينًا بوجود غدير فيه ماء الخلود، سوف يجده في مكان ما، لا بدّ من ذلك..

الامام علي
العلم
قصة
الفكر
عيد الغدير
التاريخ
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    مذهب اللا مبالاة ...الفتاة والضفيرة والمارّة الصامتون

    مذهب اللا مبالاة ...الفتاة والضفيرة والمارّة الصامتون

    السبت 24 آيار 2025/
    قدح الزنبق السحري

    قدح الزنبق السحري

    الخميس 20 آذار 2025/
    جموح التراتيل

    جموح التراتيل

    الأثنين 10 شباط 2025/
    الماء والنوارس

    الماء والنوارس

    الخميس 30 تشرين الثاني 2023/
    نشيج الأرجوان

    نشيج الأرجوان

    الأربعاء 31 آب 2022/
    ضجيج الكرى

    ضجيج الكرى

    الثلاثاء 08 آذار 2022/

    آخر الاضافات

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    تقبّل.. فما حدث قد حدث

    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية

    الإمام الحسن العسكري عليه السلام: القيادة في ظل الرقابة العباسية

    مد يد العون وأهمية النصيحة

    عرض كتاب: فكرة الرسم وكيف يساعدنا الرسم على الملاحظة والاكتشاف والاختراع

    عسر الهضم.. خطوات بسيطة في المنزل قد تساعد على تخفيف الأعراض

    آخر القراءات

    قوة الشخصية: كيف تصبح الفتاة قوية في المجتمع؟

    النشر : الأربعاء 29 ايلول 2021
    اخر قراءة : منذ 19 دقيقة

    احتواء المشاكل الزوجية

    النشر : السبت 02 آيار 2026
    اخر قراءة : منذ 20 دقيقة

    في ذكرى جدتي التاسعة عشرة

    النشر : الأثنين 05 آيار 2025
    اخر قراءة : منذ 20 دقيقة

    توأم الروح!

    النشر : الأحد 29 كانون الأول 2019
    اخر قراءة : منذ 20 دقيقة

    زوجات.. ما بعد الشهادة

    النشر : الأحد 15 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 20 دقيقة

    ما هي أفضل طريقة لتناول بذور الشيا؟ 

    النشر : الثلاثاء 19 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 20 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 821 مشاهدات

    جمعية المودة والازدهار تنظم جلسة حول هندسة الوعي وبناء الحصانة الفكرية في المنتدى النسوي

    • 401 مشاهدات

    أفكار ذكية لغرفة المعيشة في شقة اقتصادية

    • 395 مشاهدات

    الوداع النبويّ .. وقبلة الأحزان في خطر

    • 350 مشاهدات

    حقن نفسه ببكتيريا عمرها 3.5 مليون سنة: هل اكتشف إكسير الخلود أم فتح أبواب الجحيم البيولوجي؟

    • 308 مشاهدات

    الإفراط في تصفح الإنترنت قد يفاقم التوتر والمشاعر السلبية.. دراسة تكشف السبب

    • 301 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 1012 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 821 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 729 مشاهدات

    من جابر إلى صاحب الزمان… فلسفة المشاركة في نهضة الإمام الحسين

    • 626 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 602 مشاهدات

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 596 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد
    • منذ 9 ساعة
    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة
    • منذ 9 ساعة
    تقبّل.. فما حدث قد حدث
    • منذ 9 ساعة
    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية
    • منذ 9 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة