تَحْتَرِقُ الرُّوحُ وُ لَا يَشِّمُ دُخَانَها أَحَدْ
تَحْتَرِقُ الرُّوحُ وُ لَا يُطفِئُها أحَدْ
تَحَوَّلَتْ الرُّوحُ لِرَمَادٍ و لَمْ يَكْنُس رَمَادَها أحَدْ
حَلَّقَ رَمَادُ الرُّوحُ و لَمْ يَلْمِس وَجْهَ أحَدْ..
كلنا نمر بظروف قاسية قد تكسرنا أو تقوينا.
تختلف شدة هذه الظروف من شخص لآخر لكن ما يزيد من ثقلها هو شعورنا بالوحدة وكأننا وحدنا من نعاني بينما يرى الآخرون أننا في أفضل حال.
هذا الشعور يدفعنا للتفكير في البوح حتى لو كنا مترددين.
ما هو الدافع الذي يجعلنا نعتقد أن البوح بمشاعرنا أفضل من كتمانها؟
فهم الكتمان: المعنى والأسباب
هو الامتناع عن إظهار الأفكار والمشاعر والأسرار
للكتمان أسباب عديدة منها:
* تجارب الطفولة والصدمات النفسية: عندما ننشأ في بيئة لا تُقدّر مشاعرنا قد نظن أن مشاعرنا غير مهمة وأن البقاء ثابتين هو الحل.
* انعدام الثقة بالآخرين: قد تنشأ أزمة الثقة من موقف معين أو من الخوف من الخيانة والغدر الذي نسمعه كثيرًا.
* الرغبة في الظهور بمظهر القوة: قد يكون حس المسؤولية مزروعًا فينا، مما يجعلنا نعتقد أنه ليس من حقنا أن نشعر بالضعف.
الوجه السلبي للكتمان وآثاره
لكل شيء وجهان، والكتمان ليس استثناء. يمكن أن يكون للكتمان أضرار نفسية:
* الضغط النفسي: كتمان المشاعر يولد ضغطًا نفسيًا هائلًا، وتفكيرًا مستمرًا قد يتحول إلى قلق مزمن.
* ضعف العلاقات: إخفاء مشاكلك عن المقربين منك يبني حاجزًا بينك وبينهم. فالعلاقات الصحية تقوم على المشاركة، ومع الوقت قد يشعر الطرف الآخر بالإهمال، مما يخلق فجوة يصعب إصلاحها.
* الشعور بالوحدة: حتى لو كنت محاطًا بالناس، قد تشعر بالوحدة والانعزال نفسيًا، لأنك تعتقد أنه لا أحد يستطيع فهمك.
الوجه الإيجابي للكتمان:
* تجنب الخذلان: قد لا نُصيب دائمًا في اختيار من نثق بهم. إذا كان اختيارنا خاطئًا، قد نتعرض لخذلان كبير، سواء بإفشاء أسرارنا، أو بالاستهزاء بها.
* الحفاظ على الخصوصية: الكتمان يساعدنا على بناء حواجز مع من لا نرغب في أن يعرفوا الكثير عنا، مما يحافظ على حياتنا الشخصية.
الحل الأمثل: الموازنة بين البوح والكتمان
الحل ليس في البوح المطلق أو الكتمان التام، بل في الاختيار الواعي.
يكمن الحل في من تبوح له وما تبوح به. اختر شخصًا جديرًا بالثقة. اسأل نفسك: هل مشاركة هذا الأمر ستعود عليّ بفائدة؟ هل أحتاج إلى رأي مختلف أو دعم؟ إذا لم تجد الشخص المناسب، فباب الدعاء والتحدث مع الله مفتوح دائمًا، فهو يسمعك ويفهمك أكثر من أي شخص.
البوح يخفف من الثقل النفسي ويفتح باب التفاهم، بينما الكتمان يحمينا من الخذلان ويحافظ على خصوصيتنا. كلا الأمرين له وقته ومكانه.
وكما قال الشاعر كريم العراقي:
> شَكْوَاكَ لِلنَّاسِ يَا ابْنَ النَّاسِ مَنْقَصَةٌ
> وَمَنْ مِنَ النَّاسِ صَاحِ مَا بِهِ سَقَمُ
> فَإِنْ شَكَوْتَ لِمَنْ طَابَ الزَّمَانُ لَهُ
> عَيْنَاكَ تَغْلِي وَمَنْ تَشْكُو لَهُ صَنَمُ
> وَإِذَا شَكَوْتَ لِمَنْ شَكْوَاكَ تُسْعِدُهُ
> أَضَفْتَ جُرْحًا لِجُرْحِكَ اِسْمُهُ النَّدَمُ
إذا، ما الدافع الذي يجعلنا نظن أن البوح بمشاعرنا أفضل من كتمانها؟
الدافع هو أن البوح قد يفتح نافذة للروح المحترقة، فهو يخفف من ثقل المشاعر، ويساعدنا على تلقي الدعم الذي نحتاجه. البوح ليس مجرد كلام، بل هو وسيلة لتجنب تراكم الضغوط التي قد تتحول إلى أذى نفسي.
في النهاية، الأمر نسبي. لكل موقف خصوصيته، ولكل شخص ظروفه. الأهم هو أن نختار بعناية، وأن ندرك أن البوح في وقته المناسب ولمن يستحقه قد يكون هو باب النجاة.
اضافةتعليق
التعليقات