في حياتنا، قد نُخطط بدقة، نُحب أشياءً بصدق، ونسعى نحو أهدافٍ نعتقد أنها الأحسن لنا، لكننا نُفاجأ أحيانًا بأن الطريق الذي نسير فيه ليس هو الطريق الذي كنا نحلم به. قد يبدو الأمر محبطًا في البداية، لكنه في حقيقة الأمر قد يكون بابًا فتحه الله لنا لحكمة لا نراها إلا بعد حين. هذه هي خلاصة التحدي الأكبر الذي عشته عندما انتقلتُ، على غير ما كنت أتمنى، من دراسة الصيدلة إلى الهندسة.
منذ سنوات، كان حلمي أن أصبح صيدليًا. لطالما أحببت هذا المجال، وتعمقت في تفاصيله حتى قبل دخولي الجامعة. كنت أقرأ عن الأدوية، أتابع مقاطع تعليمية، وأتخيل نفسي يومًا ما أقف في صيدلية وأنا أساعد الناس على الشفاء. كان شغفي واضحًا، وكنت أستعد له بقلبٍ مملوء بالحماس. ولكن، رغم كل جهدي، لم تُسعفني الظروف، ولم أحصل على القبول في تخصص الصيدلة. وجدت نفسي فجأة أمام خيار لم أضعه في الحسبان: الهندسة.
في البداية، شعرت بالخذلان. كيف يُغلق باب طالما حلمت به؟ كيف يُجبرني القدر على طريق لم أختره؟ كانت نفسي تمتلئ بالتساؤلات، وشعور داخلي يشبه الفقد. لم يكن الانتقال سهلًا، فالهندسة كانت بعيدة تمامًا عن دائرة اهتماماتي. كان علي أن أتعلم من جديد، أن أبدأ من نقطة الصفر، بل أن أتعلم كيف أحب هذا التخصص الذي لم يخطر ببالي يومًا.
مرت الأيام، وبدأت أُدرك شيئًا فشيئًا أن في هذا الطريق خيرٌ كثير. فالهندسة لم تكن فقط معادلات ومساطر، بل علمٌ عميق، ومجال واسع يُلامس الواقع ويصنع الفارق في حياة الناس. بدأت أجد فيها تحديًا يُحرّكني، وشعورًا بالإنجاز حين أتمكن من حلّ مسألة معقدة أو تصميم مشروع متكامل. وجدتُ أن الله لم يُبعدني عن حلمي، بل وجّهني نحو طريقٍ آخر فيه فُرص جديدة وتحديات تُنمّي عقلي وروحي.
الدروس التي تعلمتها من هذه التجربة لا تُعد. أولها، أن ليس كل ما نحبّه هو الأصلح لنا، وأن ثقتنا باختيار الله تُغيّر نظرتنا للأشياء. حين تؤمن بأن ما أنت فيه هو خيرٌ من الله، تهدأ نفسك، وتبدأ في تحويل التحدي إلى نعمة. ثانيًا، تعلّمت أن التكيف مع الواقع مهارة عظيمة، وأن النجاح لا يعتمد فقط على الشغف، بل على الصبر والاجتهاد وحُسن النية. وثالثًا، أي مجال في الحياة يمكن أن يُصبح جميلًا إذا تعاملنا معه بقلبٍ مُحب، وعقلٍ مفتوح، وإرادة لا تستسلم.
اليوم، أنا طالب هندسة بكل فخر، لم يعد هذا الطريق غريبًا عليّ، بل أصبح جزءًا من هويتي ومسيرتي. لا زلت أُحب الصيدلة، وأحترم شغفي القديم، لكنني الآن أدرك أن ما كتبه الله لي هو الأفضل، حتى وإن لم أفهمه في البداية.
وإذا كانت هناك فائدة أُقدمها من هذه التجربة، فهي: لا تُحبط إذا لم تصل لما أردت، فربما ما وصلت إليه هو بالضبط ما تحتاجه. الحياة ليست فقط ما نحلم به، بل ما نُنجزه في ظلّ ما كُتب لنا. وكل تحدٍ نواجهه، هو في حقيقته خطوة نحو النضج، إذا ما قابلناه بالإيمان والصبر والنية الطيبة.
اضافةتعليق
التعليقات