• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

نيران خافتة

زينب رسول عبد الحسين / الخميس 08 آيار 2025 / تربية / 1167
شارك الموضوع :

أعدكِ يا قمر أن تبقين النور الذي لا يخبو في عتمة أيامي، حتى يجمعنا الله ذات يوم، في وطن لا يُفارق فيه الأحبة

في تلك اللحظات، أحسستُ بأن قلبي أصبح قطعًا صغيرة، أو ربما استحال رمادًا. كانت أنفاسي تتصاعد بسرعة، شعرتُ وكأن أحدهم يضغط بقوّة بيديه على رقبتي. لم أستطع حينها التحكم في جسدي النحيل؛ فقد كنت أرتجف بشدّة، كما لو كنتُ بثياب مبللة خارج البيت في جوّ مثلج، أو كعجوز مصاب بالرعاش.

كنتُ أقف وسط زميلاتي في المدرسة، وكل واحدةٍ منهن كانت تتفوّه بكلامٍ قبيح وقاسٍ، يُظهر قبح وقسوة قلبها التي أراهنّ على أنها لا تعرف للرحمة سبيلًا. أشك أنهنّ يملكن قلبًا أصلًا. أعتقد أنها حجارة صمّاء، فلم يكن فيهن شيء من الإنسانية والرأفة، حتى وهن يشاهدن حالي المزرية تلك.

كنّ يتنافسن: أيتهن تخرج من فِيها أشدّ وأقسى الكلمات فتطلقها دون أي رأفة، وكانت الأخريات يضحكن في كل مرة، بصوتٍ يتبع تلك الكلمات، فيرتفع حينًا لقوتها ويقلّ حينًا آخر لضعفها.

لم تكن هذه المرّة الأولى التي أتعرّض فيها للسخرية، ولكن هذه المرة كانت مختلفة؛ فقد كان هناك حشد كبير من البشر في باحة المدرسة. أقصد الوحوش، أو لا، أتوقع أن الوحوش لديها رحمة أكثر من الذين يُسمّون بشرًا. في الحقيقة، أعجز عن وصفهنّ بشيءٍ يناسبهن، فلو وصفتُهنّ بالوحوش أو الحجارة، أكون قد ارتكبت خطأ في حق هذه الكائنات.

رغم عددهن الكبير، لم تكن فيهن إنسانة واحدة. كنّ بين متنمّرة ومتفرّجة، كأنهن اجتمعن اليوم لنهش جسدي بكلماتهن ثم القضاء عليّ.

فإحداهن تقول: "انظرن إلى عصا المكنسة"، وأخرى تقول: "كيف حال جبّار؟"، وأخرى نعتتني بما يُنسب للحمار، والكثير الكثير...

وآخر ما سمعته: "الشمبانزي"، والضحكات تتعالى بعد كل طعنة مزّقت قلبي فحوّلته إلى قطع، كلّ قطعة لا تشبه أختها، فيستحيل جمع الشتات.

لم يخطر ببالي أن الكلمات يمكن أن تتحوّل إلى خنجر يمزّق القلوب، أو أن تتحوّل الضحكات إلى نار لا تهدأ حتى تجعلك حطامًا، أو أن تكون نظرات العيون أمضى من السهام... أو... أو...

أشعر أني ألفظ أنفاسي الأخيرة، وسيحين موعد الرحيل قريبًا. كنت أودّ أن أقضي وقتًا أطول مع عائلتي، لكن التنمّر كتب لي عمرًا أقصر من المرض...

أمي، أبي، أختي، وأخي... أحبّكم جدًّا!

لا تحزنوا بعد رحيلي، لا أحبّ رؤية دموعكم، إنها تحرق روحي...

أختي، اعتني بأمي...

هذا آخر ما وجدته في دفتر أختي قمر، ذات العشر سنوات، مكتوبًا بدموعها المنسابة بحرقة من عينيها العسليتين، ذات الرموش الكثيفة، وكأنهما قد اكتحلتا.

يكفي رؤية عينيها وهي تلمع، وكأنهما لؤلؤتان، لتعرف كم أن أختي لم تكن قبيحة، بل كانت جميلة، رغم ما اجتاح وجهها وجسدها من تقرّحات خلّفت وراءها سيلًا من الدماء، وصيّرت رأسها كشجرة خريف منكسرة، فقد هاجرت تلك الخصال الذهبية المنسابة كبحرٍ طويل، بعدما أعلنت التقرّحات احتلالها لمدًى فسيحٍ منها.

كنا عائلة سعيدة... أما الآن، فقد أصبح منزلنا كئيبًا، إنه يخنقنا رغم اتّساعه. أراه مظلمًا، وكأنها كانت النور الذي يضيء منزلنا، وقد انطفأ للأبد.

أشعر وكأني أحترق حتى أصبح رمادًا، في كل مرة أنظر فيها إلى أبي، وهو جالس في غرفته المظلمة، وحيدًا، بعينين غارقتين بحزن، لو قُسّم على البشر، لبقي منه الكثير... جسده هنا، وفكره في عالم آخر، بعيد جدًّا.

أما أخي الصغير، فيذهب من غرفة لأخرى باحثًا عنها، يظن أنها تلعب معه الغميّضة، حتى إذا يئس، دخل في نوبة بكاء عالية، صارخًا:

"أريد قمر! أريد قمر!"

فأتجرّع الغصص ولا أستطيع فعل شيء له، فأنا نفسي أحتاج من يسندني. كيف لي أن أصدّق أنها لم تعد معنا، وقد رحلت بعيدًا جدًّا، حيث لا يمكن لنا رؤيتها ثانية...

أما روحي، فتحتضر مرارًا كلّما نظرت إلى أمي، التي ذبلت، وهي تتأمّل صورتها وتستمع إلى القصائد الحزينة، مردّدة كل حين:

"تعبي رايح للتراب"

أو تذهب إلى قبرها فتحضنه تارةً، وكأنه أختي لا تراب حال بينهما، وتارةً تكلّمه بكلمات، لو سمعها الحجر لذاب حزنًا، ثم تئنّ منادية:

قمر! قمر! جاءت أمك، ألا تستقبليها؟!

ابنتي، يكفي، دعينا نرجع لمنزلنا...

أما أنا، يا قمر، فينهشني الاشتياق، وحين تشتاقكِ روحي، أضيع بين الأرض والسماء...

وحين يغمرني الحنين، أبحث عنكِ بين النجوم، علّي ألمح وجهكِ الباسم، لكن السماء تبقى صامتة، تواسيني بصمتها.

أعيش على أمل اللقاء، أزرع ذكراكِ في قلبي وأرويها كل يوم بدموعي، لتظلّ مزهرة رغم رحيلكِ.

أعدكِ يا قمر أن تبقين النور الذي لا يخبو في عتمة أيامي، حتى يجمعنا الله ذات يوم، في وطن لا يُفارق فيه الأحبة.

الموت
الحب
الحزن
الاسرة
الطفولة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    آخر الاضافات

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    تقبّل.. فما حدث قد حدث

    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية

    الإمام الحسن العسكري عليه السلام: القيادة في ظل الرقابة العباسية

    مد يد العون وأهمية النصيحة

    عرض كتاب: فكرة الرسم وكيف يساعدنا الرسم على الملاحظة والاكتشاف والاختراع

    عسر الهضم.. خطوات بسيطة في المنزل قد تساعد على تخفيف الأعراض

    آخر القراءات

    قوة الشخصية: كيف تصبح الفتاة قوية في المجتمع؟

    النشر : الأربعاء 29 ايلول 2021
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    احتواء المشاكل الزوجية

    النشر : السبت 02 آيار 2026
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    في ذكرى جدتي التاسعة عشرة

    النشر : الأثنين 05 آيار 2025
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    توأم الروح!

    النشر : الأحد 29 كانون الأول 2019
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    زوجات.. ما بعد الشهادة

    النشر : الأحد 15 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    ما هي أفضل طريقة لتناول بذور الشيا؟ 

    النشر : الثلاثاء 19 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 821 مشاهدات

    جمعية المودة والازدهار تنظم جلسة حول هندسة الوعي وبناء الحصانة الفكرية في المنتدى النسوي

    • 401 مشاهدات

    أفكار ذكية لغرفة المعيشة في شقة اقتصادية

    • 395 مشاهدات

    الوداع النبويّ .. وقبلة الأحزان في خطر

    • 350 مشاهدات

    حقن نفسه ببكتيريا عمرها 3.5 مليون سنة: هل اكتشف إكسير الخلود أم فتح أبواب الجحيم البيولوجي؟

    • 308 مشاهدات

    الإفراط في تصفح الإنترنت قد يفاقم التوتر والمشاعر السلبية.. دراسة تكشف السبب

    • 301 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 1012 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 821 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 729 مشاهدات

    من جابر إلى صاحب الزمان… فلسفة المشاركة في نهضة الإمام الحسين

    • 626 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 602 مشاهدات

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 596 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد
    • منذ 9 ساعة
    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة
    • منذ 9 ساعة
    تقبّل.. فما حدث قد حدث
    • منذ 9 ساعة
    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية
    • منذ 9 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة