صدرت فتوى تحريم التنباك سنة 1891م، وكانت ردًّا على امتيازٍ احتكاري منحه الشاه لشركة بريطانية، وقد التزم بها الناس في: العراق (النجف، كربلاء، بغداد)، وإيران، حتى داخل قصر الشاه، حيث توقّف استعمال التنباك بعد الفتوى.
فقد أصدر المرجع الديني المرزا محمد حسن الشيرازي (أعلى الله درجاته) فتواه الشهيرة:
اليوم استعمال التنباك والتتن بأيّ نحوٍ كان، في حكم محاربة إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف.)
المرزا الشيرازي لم يقل: إنّه حرام لذاته، بل ربط الحكم بعنوانٍ ثانوي خطير، فجعل الفعل (استعمال التنباك) وسيلة لإعانة الظالم والكافر المستعمر.
فقهيًا يُسمّى هذا النوع من الأحكام بالعناوين الثانوية، مثل: الضرر، الإعانة على الإثم، إضعاف الإسلام.
كانت الفتوى عامة وصارمة، لأن الخطر كان عامًا لا فرديًا، لذلك استخدم أقصى تعبير شرعي يوقظ الضمير الديني، وأعلن عن حرمة إعانة الظالم، بأن كل من يشتري أو يستعمل التنباك يدعم المشروع الاستعماري، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
فالاحتكار البريطاني كان سبيلًا اقتصاديًا وسياسيًا على المسلمين. وعندما يصبح المباح أداة لضرب كيان الأمة، ينقلب حكمه.
المرزا لم يملك جيشًا، لكنه امتلك الشرعية الدينية، وهي ثقة الأمة، فأسقط امتيازًا دوليًا دون رصاصة واحدة.
لكن المحور الأساسي الذي يشدّ الانتباه هو محورية صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف) في البعد الديني والعملي والسياسي والاقتصادي، وفي جميع أبعاد الحياة، ونضج الأمة ورعايتها لهذا القانون المحوري، حيث يجعل الجميع يقطعون أمرًا ما أو يباشرون فعلًا ما بسبب غاية أساسية، وهي التقرب والتمسك بإمام الأمة المفروض الطاعة والتسليم.
لقد أثبتت الأمة آنذاك وعيها ومحوريتها، وأنها صاحبة بصيرة لا يمكن محاربتها بسهولة أو النيل منها. فالإمام هو محور الأمة وميزانها، يُعرف الحق به، وتُقاس المواقف بمدى قرب الإنسان منه أو بعده.
وليست البطولة في المواقف القتالية في ساحات الحرب فقط، بل في التسليم والتمسك الصحيح بأوامر الإمام والتموضع حوله.
لذا، عند ذكر الخالدين في صفحات الدهر، نجد ذكر قمر العشيرة بأبهى صورة؛ فلم يتحدث التاريخ عن قائد مستقل يبحث عن مجد شخصي، بل قدّمه كأسطورة وفاء، وقمة في العبودية لله والطاعة للرسول (صلى الله عليه وآله) وعترته، حيث نقرأ في زيارته:
السلام عليك أيها العبد الصالح، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم وسلم.
لذلك لم نرَ عنه نصوصًا كثيرة رغم بطولاته وشجاعته، فقد محا نفسه في الطاعة والتسليم.
وها هي نصوص التاريخ تؤكد محورية الإمام عنده، حين رفض الأمان؛ إذ لم يكن للحسين عليه السلام، فعندما جاء شمر بأمان خاص للعباس وإخوته، رفضه رفضًا قاطعًا.
فقد بيّن أن لا معنى للأمان خارج دائرة إمامي، ولا نجاة فردية يمكن أن تحدث للإنسان مع ضياع الحجة، وهذا أعلى درجات الوعي الولائي الذي يجب أن يتعلمه الإنسان من مدرسة الكفيل.
وكذلك عند ندائه:
والله إن قطعتموا يميني
إني أحامي أبدًا عن ديني
وعن إمام صادق اليقين
لم يقل: عن أخي، بل قال: عن إمام صادق اليقين.
وهذا النص يثبت أن مولانا أبا الفضل العباس (عليه السلام) كان يرى سيد الشهداء أولًا إمامًا ثم أخًا.
وفي موقف آخر يبيّن كيفية ترتيب الأولويات في الحياة، ويقدّم الإمام على نفسه، حين يحرقه العطش والماء بين يديه، فيردد:
يا نفس من بعد الحسين هوني…
لذلك قال الإمام الصادق عليه السلام:
كان عمّنا العباس نافذ البصيرة، صلب الإيمان.
كان قمر العشيرة عظيمًا، ولا يزال، لأنه كان عظيمًا في طاعته لإمامه. فكلما خضع العبد وذاب لأجل مولاه، ارتفع اسمه في التاريخ، ولو قُطّع إربًا إربًا.
سيقضي حوائج الناس، ويصبح بابًا للحوائج، ويأخذ بأيديهم وهو بلا يدين، ويرعاهم وينظر إليهم نظرة رحيمة حتى وإن فقد العين.
هكذا هو العباس: عطاء بلا حدود في محضر سيد الشهداء (عليه السلام)… محور حياته… إمام زمانه…








اضافةتعليق
التعليقات