عند مرحلةٍ ما، سيكفّ الإنسان عن الاهتمام المفرط، ويبتعد عن القيل والقال، يجلس في زاويةٍ هادئة ويتأمل كل ما حوله. سيهدأ، وكأنه تعب من الركض وراء الدنيا وزخارفها، فيبدأ بالبحث عن المعنى الحقيقي للحياة.
عندئذٍ لا يعود مهمًا لديه إن شكره الناس على أفعاله الحسنة أو ذمّه آخرون، إذ سيدرك أن أبناءه الذين يكبرون أمام عينيه هم الباقيات الصالحات، ويتمنى لو قضى وقتًا أطول في تربيتهم، وغرس القيم السليمة في نفوسهم.
من هنا، يتضح أن الإنسان يتعلّم الأسس والمبادئ منذ لحظاته الأولى داخل أسرته؛ حيث يولد حاملاً بعض صفات آبائه وأجداده، ثم يكتسب صفات أخرى من خلال رؤية أقرب الناس إليه. لذلك تتجلّى أهمية اختيار الشريك الصالح، كما أكّد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حين قال لأخيه عقيل ـ وكان نسّابةً عارفًا بأنساب العرب وأخبارهم ـ:
«انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها، فتلد لي غلامًا فارسًا».
فقال له عقيل: «تزوج أم البنين الكلابية، فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها».
فتزوجها، ولما كان يوم الطف، قال شمر بن ذي الجوشن الكلابي للعباس وإخوته: «أين بنو أختي؟» فلم يجيبوه. فقال الإمام الحسين عليه السلام لإخوته: «أجيبوه وإن كان فاسقًا، فإنه بعض أخوالكم». فقالوا له: «ما تريد؟» قال: «اخرجوا إليّ فإنكم آمنون، ولا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم». فسبّوه وقالوا: «قبحتَ وقبح ما جئت به! أنترك سيدنا وأخانا ونخرج إلى أمانك؟». فاستُشهد هو وإخوته الثلاثة في ذلك اليوم، وما أحقهم بقول الشاعر:
قومٌ إذا نودوا لدفعِ مَلَمَّةٍ
والخيلُ بين مُدعَّسٍ ومُكَرْدَسِ
لبسوا القلوبَ على الدروعِ وأقبلوا
يتهافتون على ذهابِ الأنفُسِ
وفي نموذجٍ آخر، وُلد رجل بإعاقةٍ ذهنية، لكنه رفض أن تكون عذرًا للتوقف أو الاتكال على الإعانات. كانت والدته تحفّزه على النجاح، فمشى يوميًا عشرات الكيلومترات من بابٍ إلى باب، متحديًا السخرية والرفض وقسوة الظروف، حتى أصبح في النهاية أفضل بائع في شركته لمدة أربعين عامًا. وهكذا تتكرر النماذج في أنحاء العالم.
إن أثر العائلة واضح في نجاح الفرد أو فساده وسقوطه؛ فالبيوت الصالحة تصنع أبطالًا، والبيوت الفاسدة تصنع طواغيت. ويبقى أثر الأم أعظم من غيره. فقد نرى محمد بن الحنفية كيف أصبح فحلًا من فحول الرجال بفضل الأم الصالحة.
ومن هذا المنطلق، تتجلّى عظمة السيدة زينب سلام الله عليها، وتتضح أهمية نشأتها في هذه العائلة المباركة؛ بيت الوحي ومعدن الرحمة. فكيف لمن يرى قمة الإنسانية وأعظم نبي صلى الله عليه وآله في حركاته وسكناته ألا يتأثر؟ وكيف لا تنمو الروح والعقل في هذه الأجواء الاستثنائية؟
زينب، كوثر العصمة، التي أنجبت أسدًا تهابه القلوب، لم يُذكر اسم كربلاء إلا واقترن باسمها وعظمتها. كانت عالمةً لم يكن علمها مكتسبًا من كتاب أو معلم، بل نورًا إلهيًا تجلّى في عقلٍ نشأ في بيت الوحي. تربّت في حضن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ونهلت من فاطمة الزهراء، فكان علمها امتدادًا لعلم النبوة والإمامة.
وقد شهد لها الإمام زين العابدين عليه السلام بقوله:
«أنتِ بحمدِ اللهِ عالِمةٌ غيرُ مُعلَّمة»،
حين رأى حكمتها وثباتها في أحلك الظروف.
ظهر علمها في خطبها المحكمة، وفهمها العميق للقرآن، وقدرتها على تحليل الواقع وكشف الباطل بالكلمة الصادقة. فكانت زينب مدرسة وعي، تثبت أن العلم الحقيقي هو الذي يصنع الموقف، ويهدي الأمة في أوقات الفتن.
لم تكن زينب شاهدة على كربلاء فحسب، بل كانت امتدادًا للثورة؛ تحوّلت من امرأة مفجوعة إلى صوتٍ هزّ عروش الظالمين، حاملةً غايةً سامية لإخراج الأمة من الظلمات إلى النور. وما زالت شمس الحكمة والمعرفة في بلاد الشام شوكةً في عيون الأعداء، تصرخ بصمت عبر القرون، مرددةً قولها لطاغية زمانها يزيد:
«فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها…».
إن البيت الصالح يصنع شخصية تصنع التاريخ، وتصبح زينب صوت الحق إلى العالم. فقد ورد أنه لما نظر الإمام السجاد عليه السلام إلى أهل بيته صرعى مجزّرين غير موارَين، اشتد حزنه وكادت نفسه تخرج، فتنبهت لذلك العقيلة زينب عليها السلام، فصبّرته قائلة:
«مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟ فوالله إن هذا لعهدٌ من الله إلى جدك وأبيك…».
خطبتها في الكوفة، وموقفها في مجلس يزيد، وقلبها للنصر العسكري إلى هزيمة أخلاقية، وصبرها وعفتها وشجاعتها، ودورها كنموذج للمرأة الواعية لا الضعيفة، كلها شواهد تؤكد أهمية نشأة الإنسان في عائلةٍ صالحة تصنع العظماء.
واليوم، ونحن نهتف: لبيكِ يا زينب، ليتنا نعود خطواتٍ إلى الوراء لننظر إلى حياتنا بدقة، وندرك أهمية تربية أطفالنا في بيئةٍ صالحة، ترجو رضا الله ورضا إمام زمانها، ونسعى لتقديم أفضل ما لدينا له.
وحين نقول: ونصرتي لكم معدّة، نرفع رؤوسنا فخرًا ونقول:
بأبي أنتم وأمي ونفسي وأهلي ومالي وولدي.
المصدر:
كامل الزيارات لابن قولويه








اضافةتعليق
التعليقات