في اللحظات الصعبة والمِحَن، يَتميّز الخبيث من الطيّب، ويظهر معدن الإنسان وجوهره. ومع مرور الزمن قد تُنسى المواقف، لكن أصحاب المواقف لا يُنسَون، خيرًا كانوا أم شرًّا.
ومن أعظم هذه الشخصيات، وصاحب المواقف الخالدة، سيّد قريش أبو طالب عليه السلام، الذي كانت وقفاتُه متلألئة في تاريخ الإسلام والمسلمين، ودفاعُه عن النبي ﷺ، وحرصُه على سلامته، وإكمال مسيرته الرسالية، شاهدًا خالدًا على إيمانه العميق وبصيرته النافذة.
حين اشتدّ أذى قريش على رسول الله ﷺ، وقرّروا مقاطعته ومقاطعة بني هاشم مقاطعةً ظالمة، وكتبوا الصحيفة الجائرة، فحُوصروا ثلاث سنوات في شِعب أبي طالب؛ لا يُباع لهم طعام، ولا يُجالَسون، ولا يُناكَحون، كان أبو طالب صمام الأمان، وقائد الحصار، وحارس الرسالة ليلًا ونهارًا.
فإذا جنّ الليل وخاف على رسول الله ﷺ من الاغتيال، أيقظه من مضجعه، وأمره أن ينتقل إلى موضعٍ آخر، ثم يُضجع أحدَ بنيه مكانه؛ فيُضجع عليًا عليه السلام، وفي ليالٍ أخرى جعفرًا أو عقيلًا، ليُضلِّل عيون المتربصين. كان يضحّي بأولاده فداءً لحفظ حياة سيّد المرسلين وخاتم النبيين ﷺ.
ويُروى أنّ أبا طالب قال لولده علي عليه السلام:
«يا بُنيّ، اصبرنّ لما أُمرتَ به،
فكلُّ حيٍّ مصيرُه إلى الموت،
وقد رضيتُ لك ما رضيَ اللهُ لنبيّه»
فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام:
«يا أبتِ، أوَتُسألني عن الصبر؟
والله لو وُضع السيفُ على مفرقي
ما تركتُ نصرةَ محمد ﷺ».
وكان أبو طالب، وهو يطوف ليلًا ويتفقد المضاجع، يُردّد:
واللهِ لن يصلوا إليكَ بجمعِهم
حتى أُوسَّدَ في التُرابِ دفينَا
فاصدعْ بأمركَ ما عليكَ غضاضةٌ
وأبشِرْ وقرَّ بذاكَ منك عيونَا.
وهكذا كان يبيّن أن دفاعه عن ابن أخيه عقيدةٌ راسخة، تنمّ عن إيمانٍ بالله ورسوله، لا مجرّد حميّةٍ عشائرية. كان يُعلن إيمانه شعرًا، ويكتمه سياسةً، بحكمةٍ عارفةٍ بكيفية نصرة النبي ﷺ وحماية رسالته.
لكن المنافقين لم يقفوا مكتوفي الأيدي، فأساؤوا الظنّ به، ونشروا أكاذيب واهية حول كفره وعدم إيمانه، وهو باطلٌ لا شك فيه. فكيف يكون كافرًا من ضحّى بنفسه وأولاده دفاعًا عن رسول الله ﷺ؟
وقد رُوي أن رجلًا قال لأمير المؤمنين عليه السلام:
«أنت بالمكان الذي أنزلك الله به، وأبوك معذّب في النار؟»
فقال عليه السلام:
«مَه، فضّ الله فاك، والذي بعث محمدًا بالحق نبيًّا، لو شفع أبي في كل مذنبٍ على وجه الأرض لشفّعه الله فيهم. أبي معذّب في النار، وابنه قسيم الجنة؟!»
ونحن نردد في زيارات المعصومين:
«أشهد أنك طُهرٌ طاهرٌ مطهَّر، من طُهرٍ طاهرٍ مطهَّر…
أشهد أنك كنت نورًا في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهّرة،
لم تُنجّسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تُلبسك من مدلهمّات ثيابها».
فكيف تستقرّ هذه النطفة الطاهرة في أصلٍ غير طاهر؟
ولذا نرى تركيز الأئمة عليهم السلام على تبجيل مقام أبي طالب عليه السلام، إذ قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«والله ما عبد أبي، ولا جدّي عبد المطلب، ولا هاشم، ولا عبد مناف صنمًا قط، كانوا على دين إبراهيم عليه السلام».
فهو لم يكن مسلمًا فحسب، بل كان موحّدًا قبل البعثة النبوية الشريفة.
وورد عن الإمام الصادق عليه السلام في رجاحة إيمانه:
«لو وُضع إيمانُ أبي طالبٍ في كفّة، وإيمانُ هذا الخلق في كفّة، لرجح إيمانُ أبي طالب».
وهي منزلة لا تُعطى إلا للأولياء، ولا تُنال عبثًا.
وفي زمن الإمام الرضا عليه السلام، صدر حكمٌ عقائدي صريح حول هذه الشخصية العظيمة، إذ قال عليه السلام:
«مَن شكَّ في إيمان أبي طالب فهو كافر».
ويدلّ هذا الكلام على أن مقامه الرفيع من ضروريات مذهب أهل البيت عليهم السلام.
وفي الختام، أمر الإمام موسى الكاظم عليه السلام داود الرقي أن يطوف نيابةً عن أبي طالب عليه السلام، لما له من مكانة عظيمة عند الله، وشأنٍ في قضاء الحوائج. والحقيقة التي لا بد من التأكيد عليها: لا طواف ولا نيابة إلا عن مؤمنٍ مقبول.
فإذا كان ميزان الإيمان يميل بأبي طالب، وإذا كان الإمام يحكم بكفر من شكّ فيه، فأيّ مقامٍ هذا الذي حاول التاريخ طمسه؟.








اضافةتعليق
التعليقات