على عتبة الوجود، حيث يسطع نور الولاية، وتحمل أخشاب الباب العتيق ترانيم قرونٍ من الدعوات الخالصة والأمنيات المُعلقة بأهداب الرجاء الإلهي، يقف الإنسان مُثقلاً بحاجات الدنيا وشجون الروح ،هو ذات الموقف الذي وقفته بالأمس، حين ناجيتُ بقلبٍ منكسر: "إلهي بعليّ"، طارقاً بابه، منتظراً في فيء جوده، وما هي إلا أيام حتى ترددت في أعماق روحي أصداء الاستجابة: "إن الباب قد انفتح للمسات يدك، وصاحب الدار يدعوك إلى حضرته.. قد قُضيت حاجتك".
استقبلها قلبي مبتسماً مدركاً ان هذه العتبة المشرقة ليست رمزٍ مجرد، بل هي حقيقة تتجسد في عالمنا لبركات من سُمي منذ الأزل "علياً" ،رفيع المكانة، قريب الشأن، واليوم نقف فرحين بولادته الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فهو لم يكن مجرد ميلاد طفل، بل كانت انفلاقاً لفجر الحكمة والعدل والفداء ،فجرٌ انبلج من جوف الكعبة المشرقة ليغدو منارةً لكل طامحٍ نحو الكمال، وملاذاً لكل روح تائهة تبحث عن اليقين ، هو اليوم الذي تعانقت فيه الأرض بالسماء، وأمسى فيه التاريخ ذكرى حية تتنفس بيننا ،هو "الباب" الذي وصفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: "أنا مدينة العلم وعليٌ بابها"،فكيف لا نشد الرحال إلى هذا الباب المنير ونحن نستذكر ميلاد الوصاية وإشراق الإمامة، حيث تجلت معاني الإنسانية في أبهى صورها.
ميلاد النور في جوف الكعبة
لم يكن ميلاد الإمام علي (عليه السلام) حدثاً عابراً في سجل الأيام، بل كان إعلاناً سماوياً عن بزوغ عهدٍ جديد في تاريخ الهداية، حيث شاءت الإرادة الإلهية أن يكون هذا المولود استثنائياً في خلقه وموضع ولادته ،ففي جوف الكعبة المشرفة ،البيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) ليكون معقلاً للتوحيد، انشق الجدار لاستقبال السيدة فاطمة بنت أسد ، هناك في أقدس بقعة، وُلد "وليد الكعبة" ليكون حامياً للتوحيد ومركزاً للولاية، هذا الحدث الإعجازي كان تمهيداً لدورٍ مصيري أوكلته السماء لفتىً نشأ في حجر النبوة، فكان أول من آمن، وأول من صلى، وأول من بذل روحه فداءً للدعوة، ولأن هذه المكانة تفوق مدارك الاجتهاد البشري، جاء البيان النبوي ليرسم معالم الإمامة بأجلى صورها: "أَنَا مَدِينَةُ العِلمِ وَعَلِي بَابُهَا، فَمَن أَرَادَ العِلمَ فَليَأتِ البَابَ".
و الباب هنا ممر اليقين ومستقر الاستجابة ،و في هذا القول الشريف تكمن العظمة فالنبي (صلى الله عليه وآله) يصف نفسه بالمدينة التي تحوي كنوز المعرفة والأسرار الإلهية، وجعل علياً (عليه السلام) بابها الوحيد، فمن أراد الولوج إلى رحاب النبوة وفهم القرآن وإدراك السُنة الحقة، فليس له إلا هذا الباب المشرق ، فحديث "مدينة العلم" ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو رسمٌ لمسار الروح، يخبرنا أن الولاية هي ممر العلم الصحيح، وأن التمسك بمنهج علي (عليه السلام) هو الشرط الأساسي لفهم الإسلام في نقائه الأول ، وهكذا نعود إلى حيث بدأنا ،إلى تلك العتبة التي تشع نوراً ،فكما انشق جدار الكعبة ليدخل نور الولاية إلى العالم، وكما كان باب عليّ هو المدخل لعلوم النبوة، استجاب هذا الباب لدعواتي، وبمشيئة الله أرضاني صاحب الدار ،و إن الاحتفاء بميلاد الإمام علي (عليه السلام) هو إحياءٌ لليقين بأن "الباب" ما زال مفتوحاً لكل قاصد ،هي دعوة لكل من يطرق أبواب الحقيقة بقلبٍ مُتعب، أن يثق بأن هناك باباً قد استجاب من قبل، وأن العطاء ما زال يتدفق، فمن قصد ذلك الباب بإخلاص، سيعزف في قلبه منادٍ: "قد قُضيت حاجتك".
فطوبى لمن عرف هذا الباب، ووقف على عتبته بخشوع، فإنه لا يدخل مدينة العلم فحسب، بل يُحشر في زمرة الهداة المهديين، الذين اتبعوا النور الذي أُنزل معه ، وفي ختام هذا الطواف حول كعبة المعنى، ندركُ أن علياً ليس مجرد اسمٍ في سجل الخالدين، بل هو البيتُ الذي نأوي إليه كلما عصفت بنا رياح التيه، وإن العتبة التي لثمنا ترابها بالدعاء، والباب الذي قرعناه بقلوبٍ موقنة، ليسا إلا محطاتٍ في رحلة العودة إلى الذات المرفوعة باليقين ، فيا أيها الواقفون على أعتاب الحيرة، كُفوا عن الالتفات فمن كان وجهته باب المدينة لن يضل الطريق قط،و غداً حين تنجلي غبرة الأيام، سنعرفُ أن كل دعوةٍ استُجيبت، وكل هم انجلى، كان بفضل يدٍ حانيةٍ امتدت من جوف الكعبة لتغمر العالم بأسره، فسلامٌ على وليدها، وشهيدها، وبابها الذي لا يُوصد، سلامٌ على علي ما دام في النبضِ حياة، وما دام في الروحِ رمقٌ يرجو الوصول.








اضافةتعليق
التعليقات