حين يقترب رمضان من محطته الأخيرة، أشعر وكأنني أقف على أعتاب لحظة فارقة، وكأنني أودع ضيفًا عزيزًا لم أشبع من حديثه، لم أرتوِ من سكينته، ولم أملأ روحي بما يكفي من نوره.
العشر الأواخر ليست مجرد أيام، بل هي أبواب مشرعة للروح لتغادر هذا العالم قليلًا، تحلق بعيدًا عن الضوضاء، تسبح في بحر من الطمأنينة، وترتمي في أحضان الرحمة الإلهية. في هذه الأيام، أجد نفسي مختلفة، وكأن شيئًا غير مرئي يجرّني نحو السكينة، نحو السماء.
أليس غريبًا كيف أن الإنسان يقضي عامًا كاملًا غارقًا في زحام الحياة، منشغلًا بالعمل، الأطفال، المشتريات، المسؤوليات التي لا تنتهي، ثم فجأة تأتي هذه الليالي وكأنها زمن خارج الزمن؟ كأنها عُزلة مقدّسة تسمح لنا أن نعيد تعريف أنفسنا، أن نبحث عن إجابة لأسئلة لم نملك الوقت لطرحها وسط الضجيج. من أنا؟ ماذا فعلت بروحي طوال هذه الأشهر؟ هل ما زالت روحي صافية كما كانت؟ هل ما زال قلبي يعرف طريقه إلى الله؟
في العشر الأواخر، تتغير إيقاعات حياتي. لم يعد الفجر مجرد موعد للصلاة، بل صار نقطة تحول. السحور ليس مجرد وجبة، بل لحظة هدوء أشعر فيها بأن الكون كله نائم إلا القلوب التي تسعى، العيون التي تبحث عن النور، الأيدي التي تطرق أبواب السماء في رجاء. أشعر أن هذه الليالي تحمل شيئًا مختلفًا، شيئًا لا يُرى لكنه يُحس. ربما هو صوت الملائكة وهي تكتب أسماء العتقاء من النار، أو ربما هو إحساس الروح وهي تحاول التحرر من كل ما قيدها طوال العام.
العشر الأواخر هي مدرسة في الحب، في الصبر، في الإخلاص. لا أحد يعرف من منا سيكتب له أن يكون من الفائزين بليلة القدر، لكنها ليلة تكافئ القلوب الصادقة، القلوب التي جاءت إليها وهي مليئة بالشوق، القلوب التي عرفت أن السجود ليس مجرد حركة، بل لحظة تسليم كامل. في هذه الليالي، أفهم معنى أن يكون الإنسان قريبًا من الله رغم المسافة، أن تكون روحه طاهرة رغم كل ما لطخها به العالم.
ربما لن تتغير حياتي بطريقة درامية بعد رمضان، لن أتحول فجأة إلى إنسانة مثالية، لكنني أعرف أنني سأكون أقرب إلى نفسي، إلى حقيقتي، إلى جوهري الذي غيّبته مشاغل الحياة.
العشر الأواخر ليست مجرد أيام، إنها نافذة نطل منها على السماء، نهمس فيها بأسرارنا، وننتظر أن تأتينا الإجابة على شكل طمأنينة تسكن القلب. فهل أستطيع أن ألتقط هذا النور وأحمله معي لما بعد رمضان؟ هل أستطيع أن أجعل كل يوم يشبه العشر الأواخر؟ ربما هذا هو التحدي الحقيقي، وربما هذا هو الدعاء الذي سأرفعه في سكون الليل: يا رب، اجعل قلبي يعرف طريقك حتى بعد أن يرحل رمضان.
اضافةتعليق
التعليقات